فهرس الكتاب
وقد كانت الظروف المرحلية للعالم - يومذاك - تسوغ ترويج تلك الشعارات، ذلك لأن الواقع التاريخي للبلاد الغربية لم يكن مهيأ يومئذ للإئتلاف والوحدة بين شعوبها، بسبب ما يقوم بينها من فوارق العرق واللغة والعقيدة وغيرها، الأمر الذي جعل شعوب الغرب تشق طريقها بمأساوية اتسمت بتواصل الحروب في ما بينها، لكنها - مع ذلك - استطاعت أن تتحول بعداء بعضها بعض إلى قارات العالم، وأن تستغرقها لهفة ابتزاز وابتلاع خيرات الأمم واستغلال الشعوب، وأن يشغلها ذلك كثيرا أو قليلا عن أن تتطاحن، وكان من نتيجة ذلك أن حصلت على تطور مدني وعسكري وصناعي نوعي مكين، جعلها تستطيب طعم العزة والنخوة القوميتين، وتتخذ منهما منطلقات ثقافية وعقدية تتمسك بها..
الغرب يعمل على تأجيج عاطفة القومية في اتجاه مغرض، هدام
على أن الغرب سلك إزاء الشعوب المستضعفة سياسة مزدوجة، فهو من جهة كان يعمل على وأد روح ومشاعر الوجود القومي واستئصالها من فكر ووجدان الشعوب التي كانت في قبضته، وهو من جهة أخرى أضحى يزين لتلك الأمم أن تعتنق النزعة القومية، وخاصة الأمم التي كان يدرك أن لها من الإشعاع والوجاهة ما يتجاوز بتأثيره نطاق جغرافيتها وموطنها، مثل الأمة التركية..
فقد كان يعرف أن أي انبعاث يحصل لهذه الأمة من شأنه أن يستدعي عودة الحياة إلى كامل الكيان الاسلامي، اعتبارا للرابطة الروحية التي توطدت بين الأتراك والشعوب العربية والاسلامية في ظل الخلافة التي كان مقرها تركيا ..