فهرس الكتاب
لذا استمات الغرب وأدواته في بعث النزعة الشعوبية وتكريسها بين الأوساط العثمانية، وقد أخذ ذلك المخطط صورا مختلفة، إذ أن الدوائر الاستعمارية قد أججت المنازع الشعوبية وأضرمت نيرانها على مستوى القوميات التي كانت تجمعها رابطة الخلافة، وهكذا انخرطت تلك القوميات في تنفيذ المشروع التفكيكي الاستعماري، وكانت تتلقن من الغرب ما يسوغ عملها و (نضالها) ، فكان - من ثمة - في التذرع بواقع التخلف الذي كانت عليه المجتمعات الاسلامية يومئذ ما يسر على دعاة القومية أن يستقطبوا شعوبهم إلى أفكارهم الانعزالية ..
وهكذا انطلت المناورة الخطيرة على الأمة المسلمة، وكان للنخب المستغربة دور أساسي في المضي بالمشروع القومي إلى مداه.. وغدا من دأب الغرب أن يعمل على استبقاء المسلمين في انحطاطهم ومواتهم، لا يأتي بعمل إلا وكان من مقاصده الحيلولة دون يقظتهم، والسعي إلى تفكيكهم، وتشتيت قواهم، والاعتراض على أي أمل يسْتَحِثُّ عوامل وحدتهم أو يستثير همَّة التقارب بينهم ..
من هنا كان تركيز المستعمرين على تحطيم وإماتة مقومات التجمع والتوحيد التي كانت تتوفر للأمة، لاسيما الحيز الجغرافي المتماسك والعقيدة واللغة والحضارة المشتركة .. ومن هنا أيضا كان جهاد النورسي الرائع والذي لا شائبة فيه، إذ ظلت القومية بالمنظور التغربي تمثل عنده الانتحار الأخرق الذي تقدم عليه أية أمة فقدت منطق التمييز وتقدير المخاطر ..
لقد ظل النورسي متشبثا بمبدأ الأمة الواحدة، المعتصمة بِحِمَى دينها الاسلامي، المتواشجة في ما بينها بوشائج الأخوة المحمدية.. يهتف بذلك المبدإ في الآفاق، ويدعو له، ويلهج به، ويلقنه، ويصاول من أجله .. كل ذلك ضمن عزة يستمدها من إيمان عميق بأن الغد للإسلام، وبهمة شماء ترى في كثافة التعداد السكاني الاسلامي احتياطا لا يقهر، وبيقين راسخ يُسَلِّمُ أن الأمة محفوظة ما وحدتها القبلة وما استمسكت بكتاب ربها الأبر..