الصفحة 1532 من 3036

بل لقد دلت كتاباته أنه لم يكن قط يتوقع أن يقدم المسلمون على فك عرى الوحدة وتجاوز مبدأ الخلافة التي كانت تجمعهم .. لقد كان في تصوره أن الإقدام على تلك الخطوة لا يعني إلا الفناء المؤكد، غير أن ظروف المرحلة قد عجلت بإحداث ما لم يكن متوقعا، إذ حلت الخلافة على يد المتغربين، وشاهد النورسي كيف كان الطورانيون يتدرجون في تنفيذ مخطط تغريبي، وكيف كانوا يمكنون لسياستهم الخيانية أن تسدد ضاري الضربات للدين والملة .. وكيف أنهم توصلوا إلى تحقيق ذلك من خلال رفع شعار القومية.. فتيقن أن ما ظل يخشاه ويتوقعه من شرور تجرها سياسة القوميين المتغربين، قد تحقق وأضحى واقعا فادحا لا مراء فيه..

وكان على النورسي أن يتصدى لذلك الواقع، وكان له في الاستشفاء بالبلسم القرآني وبنصوص الحديث الشريف، خير ما يتذرع به لقول ما كان عليه أن يقوله وسط ذلك المآل المدمر الرهيب..

وهكذا رأيناه يقف عند العديد من الآيات والآثار الشريفة، يستنطقها، ويكشف من خلالها عن قيمة الوحدة والاختلاف التي هيأها الله للبشر حين جعلهم شعوبا وأمما، وما أناطه إياهم بذلك الاختلاف من أدوار ووظائف يتكاملون بها بينهم، مع ما يستتبع ذلك التكامل من مكاسب ومنافع تتبادلها الشعوب فيما بينها، وما كفل لهم بواسطة لحمة العقيدة من أسباب الوحدة والتآخي التي لا تُرَدُّ..

لقد مضى النورسي يتتبع النصوص الشرعية، معالجا إشكال القومية، متصديا بذلك الوجه الفكري، للانحراف الخطير الذي سجلته السياسة الانعزالية، وباشرت به تحقيق مشروعها القومي، التمزيقي..

لقد وقف عند قوله تعالى:

( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) .الحجرات.13

فوجدناه قد قرأه على النحو التالي:

أي: لتعارفوا، فتعاونوا، فتحابوا، لا لتناكروا، فتعاندوا، فتتعادوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت