فهرس الكتاب
وانتقل رحمه الله من سجن إلى نفي، ومن حرب إلى إقامة جبرية، ومن محاكمة إلى محاولة اغتيال. ومرض طال أمده، وهو في جميع هذه الظروف القاسية مشعل هداية لم يفتر، ومصدر عطاء فياض لم يتوقف، وكان لرسائله القوية أثرها الفعال في أتباعه وقرائها، وكانت بحق رسائل نور أنارت القلوب والأرواح، وكان النورسي بحق رجل القدر الذي تصدى للطغيان، ووقف أمام الظالمين يحذر من عاقبة الظلم والبعد عن دين الله، ويعلن كلمة الحق مدوية بلا وجل ولا تردد، حتى لحق بربه راضيًا مرضيًا، قرير العين.
أما (رسائل النور) حسنة النورسي الجارية، فقد كانت ساعده الأيمن في نشر دعوته الإصلاحية، وكان تلاميذه يسارعون إلى تلقفها ونسخها وتوزيعها مع ما كانوا يعانون في سبيل ذلك من عقبات وقيود تصل إلى حد الاعتقال لمجرد قراءتها وتوزيعها (1) ، ولم يثن ذلك من عزيمتهم شيئًا، مقتبسين من أستاذهم مقتدين به.
وكان إطلاق اسم (النور) على هذه الرسائل في محله، فموضوعاتها مستلهمة من القرآن الكريم الذي وصفه الله تعالى بأنه (نور) في أكثر من آية، منها قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا) (2) .
وكثيرًا ما تحدث النورسي عن الصلة بين القرآن الكريم ورسائل النور، مبينًا أن رسائل النور: قطرات من بحر القرآن، ورشحات من لمعاته، وتفسير له، وقبسات من أنواره وحقائقه، وإثبات لإعجازه، فمن ذلك قوله:"إن رسائل النور برهان باهر للقرآن الكريم، وتفسير قيم له، وهي لمعة براقة من لمعات إعجازه المعنوي، ورشحة من رشحات ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة، وترجمة معنوية نابعة من فيوضاته" (3) .
(1) الشعاعات، ص600و 602 و607 و615-618 وغيرها.
(2) النساء، اية 174.
(3) الملاحق ص220، وانظر: الكلمات، ص832، والمكتوبات، ص463 و476، والشعاعات، ص95 و180 و214 و225 و470 و503 و684، والمثنوي، ص156.