فهرس الكتاب
"اعلم، أن القرآن لأنه كتاب ذكر، وكتاب دعاء، وكتاب دعوة، يكون تكراره أحسن وأبلغ بل ألزم، وليس كما ظنه القاصرون؛ إذ الذكر يُكرر، والدعاء يُردد، والدعوة تُؤكد؛ إذ في تكرير الذكر تنوير، وفي ترديد الدعاء تقرير، وفي تكرار الدعوة تأكيد."
واعلم أنه لا يمكن لكل أحد في كل وقت قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحد في كل وقت، فلهذا أدرج الحكيم الرحيم أكثر المقاصد القرآنية في أكثر سوره؛ لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كل سورة قرآنًا صغيرًا، فسّهل السبيل لكل أحد، دون أن يحرم أحدًا، فكرر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام.
اعلم أنه كما أن الحاجات الجسمانية مختلفة في الأوقات، كذلك الحاجات المعنوية الإنسانية أيضًا مختلفة في الأوقات، فإلى قسم في كل آن كـ (هو الله) للروح - كحاجة الجسم إلى الهواء- وإلى قسم في كل ساعة كـ (بسم الله) وهكذا فقس، فتكرار الآيات والكلمات إذن للدلالة على تكرار الاحتياج، وللإشارة إلى شدة الاحتياج إليها، ولتنبيه عرق الاحتياج وإيقاظه ، وللتشويق على الاحتياج، ولتحريك اشتهاء الاحتياج إلى تلك الأغذية المعنوية.
اعلم أن القرآن مؤسس لهذا الدين العظيم المتين، وأساسات لهذا العالم الإسلامي، ومقلب لاجتماعيات البشر ومحولها ومبدلها، وجواب لمكررات أسئلة الطبقات المختلفة للبشرية بألسنة الأقوال والأحوال، ولا بد للمؤسس من التكرير للتثبيت، ومن الترديد للتأكيد، ومن التكرار للتقرير والتأييد.
اعلم أن القرآن يبحث عن مسائل عظيمة ويدعو القلوب إلى الإيمان بها، وعن حقائق دقيقة ويدعو العقول إلى معرفتها، فلا بدّ لتقريرها في القلوب وتثبيتها في أفكار العامة من التكرار في صور مختلفة وأساليب متنوعة.