الصفحة 158 من 3036

وهكذا .. فكما أن"عرش الرحمن"على الماء، كذلك إن"عرش الحياة والأحياء"على التراب، والتراب أجمع المرايا وأتمها، إذ مرآة الكثيف كلما كانت ألطف وأشف تريك صورة الكثيف أوضح وأظهر وأتم .. لكن مرآة اللطيف النوراني كلما كانت أكثف، كان التجلي عليها بالأسماء أتم، ألا ترى الهواء لا يأخذ من فيض الشمس إلا ضياءً ضعيفًا، والماء وإن أراك الشمس بضيائها لكنه لا يقدر على فصل ألوانه، مع أن التراب يريك بأزاهيره مفصَّل كلّ ما اندمج في ضيائها من الألوان السبعة ومركباتها، مع أن هذه الشمس قطرة ملتمعة كثيفة بالنسبة إلى نور شمس الأزل . وتَزَيُّنُ التراب وَتَبَرُّجُهُ في الربيع بما لا يُحدّ ولا يُعدّ من لطيفات الأزاهير، وجميلات الحيوانات المنادية على كمال ربوبيته شاهد مشهود . فسبحان من يتعرف إلينا بلطيف صنعه، ويعرّف الخلائق قدرته بعجائب تصرفه في التراب ..

ومما يرمز إلى هذا السرّ الحديث الشريف: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ) (1) فإذا كان هذا هكذا..فلا تتوحش من التراب وذهابك فيه، ولا تندهش من القبر وسكونك فيه) (2) .

20 -مشاهد من حديقة الأرض

(1) تكملة الحديث:"فاكثروا الدعاء": أخرجه مسلم برقم 482 وأبو داود برقم 875 والنسائي 2 / 226 عن أبى هريرة ( وانظر كشف الخفاء للعجلوني 1 / 160)

(2) المثنوي العربي النوري ص 412 وانظر مختارات من المثنوي العربي النوري لكاتب هذه السطور ، ص 32 - 33 / الموصل / مطبعة الزهراء 1404 هـ - 1983 م .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت