فهرس الكتاب
4-... كان النورسي يميل إلى القول بجميع ما تحتمله الآية من معانٍ، وهذا واضح في عدد من المواضع في رسائله، فأثناء حديثه عن قوله تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ) (1) بيّن جواز جميع ما تحتمله من معان:"ابتداءً من بحر الربوبية في دائرة الوجوب، وبحر العبودية في دائرة الإمكان، وانتهاءً إلى بحري الدنيا والآخرة، وإلى بحري عالم الشهادة وعالم الغيب، وإلى البحار المحيطة في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب، إلى بحر الروم وبحر فارس، والبحر الأبيض والأسود - وإلى المضيق بينهما الذي يخرج منه السمك المسمى بالمرجان - وإلى البحر الأبيض والبحر الأحمر وقناة السويس، وإلى بحار المياه العذبة والمالحة، وإلى بحار المياه الجوفية العذبة المتفرقة، والبحار المالحة التي على ظهر الأرض المتصل بعضها ببعض، وما يسمى بالبحار الصغيرة العذبة من الأنهار الكبيرة كالنيل ودجلة والفرات، والبحار المالحة التي يختلط معها."
كل هذه الجزئيات موجودة ضمن معاني تلك الآية الكريمة، وجميع هذه الجزئيات تصح أن تكون مرادة ومقصودة، فهي معان حقيقية للآية الكريمة ومعان مجازية" (2) ."
وعند تأمله في إطلاق لفظ (الصالحات) في القرآن الكريم دون تقييده بعمل أو قول معين، تبين له أن هذا الإطلاق مقصوده حمل اللفظ على أعم معانيه، وأن كل عمل صالح يندرج تحت هذا اللفظ، إلا أن الحكم على عمل ما بأنه صالح أو غير صالح أمر نسبي، يحصل فيه الاختلاف بسبب تغير المكان والزمان والجهة والصنف، ولما كان القرآن الكريم خطابًا إلهيًا شاملًا لجميع طبقات الجن والإنس ولكل العصور، والأحوال والظروف كافة،"وحيث إن الحسن النسبي والخير النسبي كثير جدًا، فإن إطلاق القرآن إذن في (الصالحات) إيجاز بليغ لإطناب طويل، وإن سكوته عن بيان أنواع الصالحات كلام واسع" (3) .
(1) الرحمن، آية 19 و20.
(2) المكتوبات، ص422 و423.
(3) صيقل الإسلام، ص334.