فهرس الكتاب
أما الاتجاه الآخر فيميل إلى تضييق معنى التكرار وحصره في إعادة اللفظ نفسه في سياق واحد، فإذا لم يكن المعاد اللفظ نفسه،أو أعيد اللفظ أكثر من مرة ولكن لكل موضع سياقه الخاص ومعناه الخاص، فلا يكون ذلك تكرارا، (1) وعليه يكون التكرار في الكلام معيبا غير مقبول، ولا يدخل فيه التوكيد ولا تشابه الألفاظ وتماثلها، وإن أعيد اللفظ في سياق آخر فليس من التكرار في شيء، وقد قال بهذا الرأي أو مال إليه عدد من العلماء، فهذا الطبري ينفي التكرار في الآيات المتقاربة أو المتتابعة بقوله:"وغير موجود في شيء من كتاب الله آيتان متجاورتان مكررتان بلفظ واحد ومعنى واحد، لا فصل بينهما من كلام يخالف معناه معناهما، وإنما يأتي بتكرير آية بكمالها في السورة الواحدة، مع فصول تفصل بين ذلك، وكلام يعترض به بغير معنى الآيات المكررات، أو غير ألفاظها"، (2) وأكّد سيد قطب نفي التكرار في القرآن بقوله:"ويحسب أناس أن هنالك تكرارا في القصص القرآني، لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في صور شتى، ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة، أو حلقة من قصة قد تكررت في صورة واحدة، من ناحية الغرض الذي تساق القصة من أجله، وطريقة الأداء في السياق، وأنه حيثما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه، ينفي حقيقة التكرار". (3) وتابعه محمد قطب - شقيقه - فقال:"إن التنويع لا التكرار هو الظاهرة الحقيقية في القرآن، وإنه لمن إعجاز هذا الكتاب أن يعرض الموضوعات التي يكرر ذكرها للتذكير والتربية"
(1) د. فضل حسن عباس، قضية التكرار في كتاب الله وصلتها بالإعجاز، 5، منشور في مجلة كلية الشريعة، جامعة الكويت، العدد7، 1987، وانظر: خلف الجرادات، ظاهرة التكرير في التراكيب النحوية، 71.
(2) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 1/64، مطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر، ط 3، 1968.
(3) سيد قطب، في ظلال القرآن، 1/64، دار إحياء التراث العربي ببيروت، ط 7، 1971.