فهرس الكتاب
"اعلم أن الله تعالى ذكر في مواضع من كتابه أحوال هذه الجبال على وجوه مختلفة، ويمكن الجمع بينها على الوجه الذي نقوله، وهو أن أول أحوالها الاندكاك … والحالة الثانية لها أن تصير كالعهن المنفوش … والحالة الثالثة أن تصير كالهباء، وذلك أن تتقطع وتتبدد بعد أن كانت كالعهن…والحالة الرابعة أن تنسف لأنها في الأحوال المتقدمة قارة في مواضعها والأرض تحتها غير بارزة فتنسف بإرسال الرياح عليها… والحالة الخامسة أن الرياح ترفعها عن وجه الأرض فتطيرها شعاعا في الهواء كأنها غبار، فمن نظر إليها من بعد حسبها لتكاثفها أجساما جامدة وهي في الحقيقة مارة إلا أن مرورها بسبب مرور الرياح بها صيرها منكدة متفتتة، وهي قوله: (تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ) ، ثم بين أن تلك الحركة حصلت بقهره وتسخيره فقال: (وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً ) الحالة السادسة أن تصير سرابا بمعنى لا شيء، فمن نظر إلى مواضعها لم يجد فيها شيئا، كما أن من يرى السراب من بعد إذا جاء الموضع الذي كان يراه فيه لم يجده شيئا". (1)
ومما يندرج في هذه النقطة آية: (فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) "فإنها وإن تعددت، فكل واحد منها متعلق بما قبله، وإن الله تعالى خاطب بها الثقلين من الجن والإنس، وعدد عليهم نعمه التي خلقها لهم، فكلما ذكر فصلا من فصول النعم طلب إقرارهم واقتضاهم الشكر عليه، وهي أنواع مختلفة وصور شتى" (2) ، ومنها آيات القصص، وسيأتي تفصيل الحديث عنهما في المبحث التالي بإذن الله.
ويلاحظ ما في عبارة النورسي:"فتذكر في موضع لوجه، وفي آخر لأخرى، وفي سورة لمقصد، وفي أخرى لآخر"من بلاغة في الإيجاز بالقصر.
المبحث الثالث
المواضع التي بيّن النورسي حكمة التكرار فيها
(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير، 31/11 و12.
(2) الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 3/18.