الصفحة 1609 من 3036

بعد أن تحدث النورسي عن حكم التكرار في القرآن الكريم من خلال نقاط متعددة، وكلام عام لم يتعرض فيه للجزئيات مكتفيا بإرساء القاعدة، خاصة أن طبيعة رسائله لا تقتضي منه استقصاء الآيات والجمل التي تكررت في كتاب الله، ولذا فإن المواضع التي بيّن النورسي فيها حكمة التكرار قليلة، محصورة في حديثه عن الحكمة من تكرار البسملة، وآية (فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) وآية (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ) ، وآية (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ) وقصص الأنبياء.

وقبل أن أنتقل إلى تفصيل الحديث عنها رأيت أن أثبت هنا عبارة لطيفة للنورسي حول التكرار في هذه الآيات وفي القصص، قال:

(إن قلت: إن في القرآن الموجز المعجز أشياء مكررة تكرارًا كثيرًا في الظاهر كالبسملة و(فبأي آلاء) الخ.. و (ويل يومئذ) الخ.. وقصة موسى وأمثالها، مع أن التكرار يُمِلُّ وينافي البلاغة.

قيل لك:"مَا كُلُّ مَا يَتَلأْلأُ يُحْرِقُ"فان التكرار قد يُمِلُّ، لا مطلقًا. بل قد يُستحسن وقد يُسأم. فكمَا أن في غذاء الإنسان ما هو قُوت كلما تكرر حلا وكان آنس، وما هو تفكّه إن تكرر مُلَّ وإن تجدد اُستُلِذّ، كذلك في الكلام ما هو حقيقة وقوت وقوّة للأفكار وغذاء للأرواح كلما استعيد اُستحسن واستؤنس بمألوفه كضياء الشمس. وفيه ما هو من قبيل الزينة والتفكه، لذتُه في تجدّد صورتِه وتلوّن لباسه.

إذا عرفت هذا فاعلم! انه كما أن القرآن بمجموعه قوتٌ وقوّة للقلوب لا يُمَلُّ على التكرار بل يُستحلى على الإكثار منه، كذلك في القرآن ما هو روح لذلك القوت كلما تكرر تلألأ وفارت أشعة الحق والحقيقة من أطرافه، وفي ذلك البعض ماهو أسّ الأساس والعقدة الحياتية والنور المتجسد بجسدٍ سرمدي كـ (بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحِيْم) . فيا هذا شاور مذاقك إن كنت ذا مذاق!..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت