الصفحة 1623 من 3036

ويأتي في المقدمة الإمام الخطابي (ت 388هـ) فهو أول (1) من أشار إلى هذا الوجه من وجوه الإعجاز صراحة في كتابه: بيان إعجاز القرآن حيث قال:"في إعجاز القرآن وجه آخر ذهب عنه الناس فلا يكاد يعرفه إلا الشاذ من آحادهم، وذلك صنيعه بالقلوب وتأثيره في النفوس، فإنك لا تسمع كلامًا غير القرآن منظومًا ولا منثورًا، إذا قرع السمع خلص له إلى القلب من اللذة والحلاوة في حال، ومن الروعة والمهابة في أخرى ما يخلص منه إليه، تستبشر به النفوس، وتنشرح له الصدور، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها [من] الوجيب (2) والقلق، وتغشاها [من] الخوف والفَرَق (3) [ما] تقشعر منه الجلود وتنزعج له القلوب، يحول بين النفس وضمراتها وعقائدها الراسخة فيها، فكم من عدو للرسول - صلى الله عليه وسلم - من رجال العرب وفتّاكها أقبلوا يريدون اغتياله وقتله، فسمعوا آيات من القرآن فلم يلبثوا حين وقعت في مسامعهم أن يتحولوا عن رأيهم الأول، وأن يركنوا إلى مسالمته ويدخلوا في دينه، وصارت عداوتهم موالاة، وكفرهم إيمانًا" (4)

(1) - بحث في إعجاز القرآن الكريم قبل الخطابي جماعة، كالجاحظ والرماني وكاتب المتوكل والطبري وأبو الحسن الأشعري وغيرهم، ولم يظهر في كلام أي منهم الإشارة إلى هذا الوجه أو ذكر له، ولهؤلاء وغيرهم مؤلفات مفقودة في الإعجاز لم تصلنا، ولا نستطيع الجزم بخلوها من ذكر هذا الوجه في الإعجاز، وعليه تم اعتماد نسبة أولية القول بهذا الوجه للخطابي، وقد أثبت أولية الخطابي فيه غير واحد مثل: د. فضل حسن عباس، إعجاز القرآن الكريم، ص 345، ود. صلاح الخالدي، البيان في إعجاز القرآن، ص 350، ود. خليفة حسين العسال، من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم، ص 34.

(2) - وجب القلب وجيبًا ووجبانًا: خفق واضطرب ورجف (ابراهيم مصطفى ورفاقه، المعجم الوسيط، مادة وجب، 2/1023) .

(3) - الفَرَق: الجزع وشدة الخوف (إبراهيم مصطفى ورفاقه، المعجم الوسيط، مادة فرق، 2/692) .

(4) - الخطابي، بيان إعجاز القرآن، ص 93،92 تحقيق: عبد الله الصديق، وص 70، من تحقيق: محمد خلف لله أحمد ود. محمد زغلول سلام، وقد سقط من النسخة الثانية ما أثبته بين حاصرتين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت