الصفحة 180 من 3036

وحين نضع أناملنا على نبض"الكلمة القرآنية"نلمس في صدى نبضها نبضات الكون، ونحس في توهجها توهج الأرض والسماء ونبصر في ضوئها أضواء الشموس والأقمار، ونشاهد في تألقها تألق النجوم والكواكب، وهي تعطينا من هذا كله على قَدَرِ عقولنا، ورهافة حسنا، وعمق نظرتنا، وشموس معرفتنا.

فكلما كنا أقدر على الغوص، واكثر سبرا للأغوار، و أوسع استشرافًا للآفاق والأمداء زادتنا، -الكلمة القرآنية- عطاء وفتحت أمامنا الكثير من مغاليق أسرارها، ومخابئ كنوزها، وما توحيه كلمة -أية كلمة- من معان وأفكار، ومشاعر وأحاسيس في ديوان شاعر، أو في كتاب ناثر، ليست سواء مع ما توحيه الكلمة نفسها عندما ترد في كتاب الله.

ففي كتاب الله تأخذ"الكلمة"معاني أعماق وأوسع، وتحتل من النفس الإنسانية مساحات أعظم وأشمل، وذلك لكونها تتحول في"كتاب الله"إلى كيان حي يموج بتلك الحياة المرتبطة بالأزل والأبد، هذا الأبد"غير الزماني"الذي تصب فيه أفكار الماضي والحاضر والمستقبل.

"فالكلمة"تحيا في أجواء الآية، وتتفاعل معها أخذا وعطاء، والآية ترتع في ربيع السورة وتستروح في ظلالها، وتنهل من نبعها، وتقبس من نورها، والسورة تتنزل من روح القرآن ومعانية مضمخة بنوره وعطره، والقرآن كلام الله الحي الذي يستمد وجوده وحياته من وجود"واجب الوجود"ومن حياة"الحي"الذي لا يموت، فلا غَرْوَ - وهذا شأن القرآن - أن يقال: أن القرآن يفسر بعضه بعضا، ويضيء بعضه بعضا.

فكلام القرآن يتمخض في حس"النورسي"وفي وجدانه عن عالم غريب جميل من الصور والأخيلة التي تأخذ طرقها إلى قنوات حسه وشعوره، وسرعان ما يتناولها شعوره المرهف، وذوقه المصفى، وفهمه الشمولي، ليشيد منها صروحا شامخة مبتكرة في أدب القرآن، وأسلوب تعامله مع"الكلمة"ومنهج عرضه وطريقة مخاطبته للإنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت