فهرس الكتاب
السياسة موئل النفاق والثعلبية، لذا يحرص النورسي على الابتعاد عنها، داعيا إلى وجوب تثمير الجهود التي يبذلها المسلم في حقول خارج الحقل السياسي، إذ أن السياسة - كما هو ثابت - هي المهارة في المداورة والتفنن في اتباع أساليب المخاتلة والتحيُّن والمزايدة .
فأخلاقيات السياسة هي أخلاقيات الشراسة الفظيعة والترصد الجبان، فهي من ثمة أخلاق مرذولة لا ينغمس فيها إلا ذو كيد أو من جبلت نفسه على الافتئات والكذب.
فشعار السياسة المشهر منذ الأبد هو: إذا لم تكن قاتلا فأنت مقتول.."وذاك يعني ببداهة ركوب كل السبل من أجل الغاية، ولا تستنقذ النفس في معتركها إلا بالتمرس على تسديد الطعنات في الظهر، أو بالنكوص غير الشريف.."
من هنا كان دستور النورانيين هو القرآن، ولا شأن لهم بالسياسة كما يتعاطاها الدنيويون:
"إن من الدساتير الأساسية لطلبة النور هو عدم التعرض قدر الامكان للسياسة ولأمور الحكومة وشؤونها وإجراءاتها، ذلك لأن القيام بخدمة القرآن بإخلاص يكفيهم ويغنيهم عن أي شيء آخر" (1) .
ذلك لأن ركح السياسة، بما يتحاشد فوقه من جموع وفلول الأفاقين، يستلزم اصطناع الشريك والمتعامل بالأجرة وحليف الزور، وكل ذلك يتناقض جوهريا مع مبدإ الحرية والإخلاص والاستقلالية الذي يأخذ به القرآنيون:
"إن الداخلين الآن ساحة السياسة مع وجود تيارات قوية سائدة لا يستطيع أحد منهم أن يحافظ على استقلاليته وعلى إخلاصه، لأن تيارا من هذه التيارات سيجره إليه ويجعله يعمل لحسابه ويستغله في مقاصدة الدنيوية، مما يؤدي إلى الإخلال بقدسية علمه وخدمته" (2) .
فما دام"السياسي في هذا الزمن لا شرف له"وما دامت السياسة الدنيوية مثابة الشرور والنواقص، فلا بدع أن يؤثر النورسي للمسلمين النيرين الابتعاد عن ساحها،وأن يربأوا بأنفسهم عن الانجراف وراء حرفة بذيئة ومبتذلة ورخيسة وشائنة.
(1) الشعاعات 424
(2) الشعاعات .424