الصفحة 1808 من 3036

على أن هناك من بين الأسباب العديدة الأخرى التي اقتضت من النورسي أن يعرض عن السياسة ويشجب تعاطيها، كونها تفسح المجال للعدو والكافر أن يتقنع بأستار تحجب حقيقته عن المجتمع والأمة، الأمر الذي سيمكنه من الإيقاع بالأبرياء ممن يتعاملون معه أو يتواثقون على قواعد لعبه .."فلو عُمل بهراوة السياسة وصولجانها وأحرز النصر، تدنى أولئك الكفار إلى درك المنافقين، والمنافق - كما هو معلوم - أشد خطرا من الكافر وأفسد منه، فصولجان السياسة إذا لا يصلح القلب في مثل هذا الوقت، حيث ينزل الكفر إلى أعماق القلب ويتستر هناك وينقلب نفاقا" (1) .

لقد شهر النورسي بالمنافق ونوه بالمخاطر التي يشكلها اندساسه في الجماعة، ولما كانت السياسة هي المرتع الوخيم الذي يستهوي المنافقين، فقد جاء التحذير يحيل بين المسلم وبين شرها، ففي حلبة السياسة يسقط المسلم من أول جولة، لأنه يدخل النزال من غير ما عدة، بل من غير ما استعداد ولا قابلية لخوض عراك طبيعته الجوهرية النفاق، الأمر الذي يتنافى مع روح المسلم المتشبثة بالصدق والمصداقية كما يقتضي منه الإيمان.

لقد طفق النورسي يشنع على المنافق ويذيع أوصافه ويعرض نعوته في سائر ما كتب من رسائل. بل لقد وجدناه يخص المنافق بوقفة مسهبة وذلك في تفسيره"إشارات الإعجاز .."عند ما شرح قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) (2) .

لقد استهل النورسي تفسيره لتلك الآية بتسجيل ملاحظة أولى لفت فيها إلى سر إطناب الخطاب القرآني في الحديث عن المنافق قياسا بالحديث الموجز الذي خص به الكافر في هذه السياق حيث قرن بينهما، ليخلص النورسي إلى تقرير الآتي:

"إن قلت لِمَ أوْجَزَ في حق الكافرين كفرا محضا بآيتين وأطنب في النفاق بإثنتي عشرة آية ؟"

(1) اللمعات 158

(2) البقرة/8

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت