فهرس الكتاب
وألفيناه في مواطن أخرى يكشف عن الطابع الوبائي الاستشرائي الخطير الذي كانت قوى الشر تأخذه وتنفذ به إلى روحية الملة وتفتك بمقوماتها:
"إن أهل الضلالة المغيرين على أهل الإيمان أصبحوا روحا خبيثة تسري في الأمة، وشخصية معنوية حاملة لروح الجماعة والتنظيم الخاص تفسد وجدان الناس وقلوبهم عامة في العالم الإسلامي، وتمزق الستار الإسلامي السامي الذي يحى العقائد التقليدية لدى عوام المسلمين، وتحرق المشاعر المتوارثة أبا عن جد.. تلك المشاعر التي تديم الحياة الإيمانية" (1) .
وبالإضافة إلى ذلك فإن هناك عاملا موضوعيا آخر كان يحدو بالنورسي إلى مجانبة السياسة بمعناها الوحشي، الغابي، هو حال الأعزلية واللا تسلح التي كان عليها المسلم - ولا يزال - فهي حال لا تمكنه من رد اللكمة بمثلها . فالضعيف إذا ما سقط في شرك عدوه وجاراه نحو ميادين الألغام التي يستدرجه إليها، فإنه لا محالة سيعد جاهلا وأحمق .
إذ من الدهاء أن أعمل بكل ما في الوسع على ألا يرديني عدوي ما دمت لا أملك القوة، فإذا ما أصر على مواجهتي، فسأكون غبيا إذا مكنته من المواجهة، بل علي أن أتقي أكبر الخسائر بأقل التكاليف، وذلك هو الأسلوب الذي ينتهي على المدى البعيد بدحر القوة الباغية واستنزافها والقضاء عليها قضاء مبرما..
إنه لمن الثابت أن الضعيف إذا ما رشَّدَ استراتيجيته فسيؤول به الأمر إلى أن يقوى ويتَجَدَّرَ، وأن القوة المستفحلة والعاتية والغاشمة والمبيتة للغدر والمنفذة للشر مآلها الفناء والهوان لا سيما إذا ما كان خصمها لبيبا وداهية ومسلحا بأخلاق الأنبياء، أولئك الجبابرة في الإيمان بالله وبقيوميته الذي طاولوا الفراعنة المغرورين، وناضلوهم بالصبر والمكابرة والإيمان فغلبوهم وقوضوا أعراشهم، وتلك هي سياسة النورسي التي نهجها وراهن على جدواها ونصح بها الأتباع والمسلمين:
(1) الملاحق222