الصفحة 1826 من 3036

من جهة أخرى أكد الفقه الأكبر على أهمية تطوير البيداغوجية وأساليب التدريس والتوصيل المعرفي، فالنورسي الذي أساءه كثيرا أن يرى وعاظا ومرشدين عاجزين عن توصيل معارفهم إلى المتلقي، حرص على أن يلفت الانتباه إلى هذا الجانب الحيوي والذي تتوقف عليه بقية الشروط التي أناط بها تحقيق الرؤية التعليمة في كليتها. فمن شأن النجاعة في التدريس والتوصيل، أن تيسر مهمة الاستيعاب على المتلقي، وتجعله يستزيد بدون كلل أو نفور من المواد التي يشملها المنهاج التعليمي المقرر، الأمر الذي يسرِّع من آلية التكوين ويجعل نتائجها إيجابية ليس إحصائيا فقط، ولكن نوعيا وتمثليا، فالمادة التعليمية التي يفلح المنشط في توصيلها إلى الأذهان بمهارة لا تعنت الملكات والقابليات، وهي مادة سيتوسع بها الذهن وينمو العقل وينشط الاستعداد، على عكس المادة التي تستقر في الذهن بعد مشقة وعلى نحو تلقيني غير نضيج، فتلك ستغطي حيزها في مساحة الذهن دون أن يستفيد منها العقل كثيرا، من هنا كان أسلوب التحفيظ المستغلق، الذي لا يقوم على قاعدة الفهم والإفهام، أسلوبا يدمر الملكة، بل وربما يسيء حتى للذاكرة، إذ ملكات العقل متراسلة ونشاط بعضها ينعكس على البقية جدليا.

النورسي رأى من جهة أخرى وجوب اتباع نهج التخصص، فحيث أن المنظومة التعليمية تتوسع باستمرار، وموادها تتكاثر على نحو مطرد، فلا أحسن من أن يعمد التعليم إلى اتباع نظام التخصص، لاسيما على مستوى الدراسات العليا، إذ لا يفيد كثيرا أن نرسي نظاما تعليميا عاما من غير أن تمتد له التخصصات، وينبغي لنظام التخصص أن يركز - تبعا للاختصاص - على مواد محدودة أساسية تدخل في لب الاختصاص، وعلى أخرى جوارية تكمل الأساسية وتكون محيطا معرفيا لها، يساعد على تكميل رؤية المتخصص وتوفير المجال الهامشي الذي يتيح لرؤيته التحصيلية المركزة أن تستوفي حقل اختصاصها على ذلك النحو الكامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت