الصفحة 1829 من 3036

وبنفس الروح، ومن نفس الرؤية نجد النورسي ينظر إلى السجن على أنه"مدرسة يوسفية"لا يكون نزيلها إلا على موعد مع الفلاح الإلهي والدنيوي، تماما كما كان سيدنا يوسف عليه السلام على موعد مع كرامة ربه ورحمته. من هنا ألفينا النورسي يشيع تلك الروح الاستبشارية التي ساكن بها السجن، إذ ظل يطابق بين أحواله وأحوال أتباعه من المساجين وبين حال يوسف عليه السلام. وكان ذلك يخفف من العناء، بل ويجدد الإيمان. وكانت نتائج تلك المصابرة الإيمانية باهرة، لأنها مكنت للدعوة القرآنية من أن تعم الآفاق، وأثبتت للنورسي وطلابه الطلائعيين الأجر والخلود.. كما أن تعليمية الفقه الأكبر قد توسعت بمنظومة من الوصايا التي كفلت للدعوة النجاح والسلامة، إذ عززت تلك التعاليم روح التأهب ومنهج المواجهة:"علينا الأخذ بالحذر الشديد وعدم إبداء القلق وانتظار العناية الالهية بالتوكل لتمدنا" (1) .

لقد كانت الرسائل - من خلال منهج الفقه الأكبر - تتعهد روحية الجماعة النورية، وتبدد الغمائم الملبدة التي تغشي سماء حياتهم نتيجة السياسة السفيانية المناهضة لهم وللقرآن، فمنهج الفقه الأكبر كان لا يغفل حتى النطاق الحياتي المعيشي للأتباع، ليس عن طريق بث المغالطات والأوهام أو التنسية أو بث الوعود الكاذبة كما هو شأن الساسة وأهل الدنيا حين يستغفلون الجماهير بمثل تلك التلفيقات التي لا طائل من ورائها، بل لقد كانت الرسائل تشهر أمام أولئك الأتباع حقائق روحية لا يسعهم إلا أن ينتبهوا لها ويغنموا منها ويتزودوا من بركتها.

لقد كانت روحية الفقه الأكبر تحوز مفاتيح الخزينة الربانية، وما أسرع ما كانت تلقي بالعطايا بين يدي الأتباع، لكنها عطايا لا تسد الحاجة الوقتية، بل إنها تكفل الرخاء الواسع لمن كان حظه من الإيمان عريضا..

(1) الشعاعات 533

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت