فهرس الكتاب
لقد ألفينا النورسي يوجه أفكار الأتباع نحو باب الله وخزائنه الملأى.. وبدل أن يشير على من كان يشكو الضائقة المادية بالكد الدنيوي - فذاك أمر طبيعي - رأيناه يلفته إلى كنوز الروح والعبادة والإجهاد القلبي،لقد كان النورسي يرتفع على ذلك النحو بالمشاعر إلى صعيد الروحانية ويهيب بالنفوس إلى أن تغنم من مكاسب غيبية تورث الغنى والرفاه المعنويين، ومن شأن ذلك الغنم أن يهون من أعباء الواقع ويخفف من غلوائه ويبرد من استعاره.
لقد وجدناه في بعض مواقف الترشيد مثلا، يواجه تحمحم الأتباع ممن كانت تلح عليهم وطأة العيش وهمومه، ببيان نفاسة الموسم الفضيل الذي كانوا على أبوابه، إذ راح يهيئهم لاغتنام سانحته من حيث مضاعفة الثواب والحسنات بمضاعفة العبادة. لقد طفق النورسي يقرن مكاسب الثواب التعبدي بخدمة الرسائل، إذ لخدمتها مقابل من الثواب والأجر.
الفتوى في منهاج الفقه الأكبر لا تأخذ صبغة الفذلكة المدرسية التي تستهدف التحصين داخل رؤية العرف التشريعي بصيغه التقليدية المتداولة والتي يحذقها ويشغف بها طلاب فقه النوازل ممن تمرسوا في تقسيم المواريث والتركات.. بل هي واقعة تَصْرِف الذهن وتحشد القوة نحو أفاق مدنية فاعلة .. فالفتوى لا تعزز سكونية الفرد، ولا تعمل على إضفاء ذلك التسويغ الروحي الذي يجعله يعيش مستوى من الانسجام مع الذات والمحيط، فالرؤية الشرعية بهذا الوجه تجاوزت إطار التقييد الذي كانت تقتضيه ظروف الانحطاط والمدفاعة، لتضحى رؤية إطلاق ومواجهة، إطلاق مسخر لغاية أبعد مما تراعيه حسابات حفظ الذات والعقل والنفس والمال، لأنها استوعبت كل هذه الكليات ضمن روح انبعاثية ملية شاملة.