فهرس الكتاب
لقد كان القرن المنصرم قرن الاستعمار الغربي المباشر. وبالنسبة للأمم المستضعفة وفي طليعتها الأمة الإسلامية ، فقد كان ذلك القرن قرن المكابدة (السيزيفية) المريعة، والتحدي الخارق ، والإثابة إلى الوعي المسترجع . لقد كان من قدر الأمة الإسلامية ان تدفع فاتورة فظيعة من التضحيات من أجل أن تزيح عنها كلكل المحتل البغيض ، ولتلقي - بعد ذلك - النظرة على من حولها ، لتحدد موقعها بين الأمم ، ولتتأهب ، بكل ما يثقلها من إنهاك وخور، لاستئناف الطريق. لكن مهمة النهوض تظل جسيمة ولها تكاليفها الباهظة .
فالعدو رابض بالباب، عينه على أي حركة تَنِدُّ ليخنقها في الحال، لكأنما قر في خلده أن حياة الآخرين تعني مواته، لذا استمات في رصد كل نأمة من حياة يلمسها تدب في كيان الآخر، ليعاجلها ويزهقها. لقد شاء الاستعمار الغربي البغيض أن يجعل من نفسه قضاء إعداميا كونيا لا يرحم. لقد زين له استبداده أن يبلور لنفسه في مخيال البشرية، صورة تضعه - بلا منازع - صنوًا للموت، عدوا للحياة ، إذ توهم فناءه في انبعاث الآخرين، فراح يترصد كل مظهر ليقظة يتحقق للآخر، فيعاجله في المهد بكل قحة، وتلك هي الفصامية الحضارية التي لا رشد لها، وذلك هو الضلال المبين .