فهرس الكتاب
لقد تجاوز النورسي بألمعيته القرآنية، المصير المغلق الذي دأب يجرف إليه كثيرا من الشخصيات الإصلاحية والإيقاع بها في مطاويه ، وذلك حين تجافى عن أن يسلك سبيل المرجعية الفردية أو أن ينتصب شاهدا معرفيا مِلِّيا معتمدا بقوة فرض الذات وتكثيف الحركة والحضور المادي أو البروز الأدبي الظرفي. فالنورسي من هذا الصدد يباين سائر الزعماء المصلحين المحدثين الذين عرفتهم البلاد الإسلامية بدءا بالداعية الكبير الأفغاني.
ترى هل يمكننا القول إنه فيما سعى الآخرون إلى إحداث اليقظة بقرع الأجراس ونشر الأصداء في كل اتجاه ، لبث هو - النورسي - يتحرك على رؤوس أصابعه يتناجى مع نفسه، يهمس إليها بما كان القرآن يلقي إليه من خواطر وإلهامات، الأمر الذي انتهى بالشرارة إلى أن تنقدح وتسري سريان الكهرباء من غير سوء في من حوله، الأقرب فالأقرب، إلى أن استنارت الدروب واسترسلت الطلائع تمضي بالحقيقة القرآنية نحو الآفاق..
فالتجرد الخالص هو أس قوة وهيمنة هذه الشخصية الفذة التي قل أن يسلم من تأثيرها كل من يفاعلها - كما شهد بذلك الخصوم أنفسهم - إذ أنه سخر عبقريته، ليس في التجريب النظري الذي لا كبير دور أو إضافة له في الواقع الإسلامي الفعلي إلا توسيع مساحة الهامش الاجتهادي الشخصي الذي دأبت العقلية المسلمة الأمية والمتخلفة تمر عليه ولا ترى فيه سوى رقم آخر يضاف إلى كتلة المدونات الصماء التي لن تجد من يباشرها.
لقد نفذ النورسي إلى مفاعلة الأمة من أكثر المناطات حميمية لديها، إذ جعل من القرآن مادة مدارسته، ودرج - راشدا - على طريقه القويم يتصفح الآيات البينات، ويستبين فيها العلامات والأمارات الدالة على هزائم وانكسارات الماضي والراهن، مستلهما من كتاب الله العزيز ما يصلح الواقع وما يوطد المآل، فعل ذلك باستقراء مبرإ من الغرضية إلا إصلاح الأمة وإعادتها إلى سواء السبيل الذي رسمه لها القرآن.