الصفحة 1838 من 3036

لقد راهن النورسي على المطلق، فكان عربون نجاحه في ما راهن عليه منوطا بمدى تجرده من الحسابات الخاصة، فلما أخلص النية تكشفت له الحقائق وفاضت بها الأودية والشعاب، وعجب هو للأمر أن يجد نفسه موضع إكبار وإشادة متصاعدة ممن حوله .

ففيما كان الناس يشهدون له بالعبقرية والكرامة على ضوء ما كانوا يرون ويلمسون فيه من أنوار فكرية وتفتيقات روحية، كان هو يقر لمن يريد أن يصدقه بأن النبوغ مصروف عنه، وأنه لا يملك من أمر ما يقرر وما يرى إلا الترجمة، فكل ما يصدر عنه إن هو إلا إلهام نابع من محبة القرآن ومن خلوص الصلة التي تجمعه بكتاب الله. وتلك هي حقيقة التجرد وذلك هو الحظ الذي يصيبه أهل الإخلاص والاستماتة.

ترى هل كان الشأن بالنسبة للنورسي - في هذا المجال - شأن بعض أرباب الطرق الصوفية ممن توسع نطاق روحيتهم باتساع رقعة الأتباع والمريدين ؟

لا مناص لنا من التعجيل بالقول إن الفارق بين المنهجين شاسع على مستوى الرؤية والمأثور الفكري والتسديد الحضاري، إذ أن النورسي تجاوز مفهوم الوِردية والمريدية، إذ أعاد النصاب التلقيني إلى الحوض القرآني السلسبيل، الأمر الذي شرَّع الباب واسعا في وجه الجموع العطشى ومن سائر المشارب، حيث بات المتلقي يجد نفسه يتواصل مع الكتاب المبين والسنة الشريفة، وهو ما جعل المفاعلة تقوى على الدوام لارتباطها بالله عز وجل وبالسنة النبوية الكريمة، وذلك ما ولد هذا التجاوب القرآني الخلاق الذي يتملك المرء في حضرة الرسائل، إذ تزايله فصامية الوجود، وتتبدى له أهمية استثمار الحياة من أجل كسب رهان العزة في الدنيا والخلود في الآخرة. فيما جاءت النذر الطرقية الأخرى تكريسا لروح الاستقالة الدنيوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت