الصفحة 1839 من 3036

أو لنقل إنها في رؤيتها لم تكن تضع حساب الواقع في معادلتها إلا من زاوية سالبة، لكأنها تتعجل الفناء من أجل لقاء العالم البرزخي الفذ المنتظر، لأن تعاليم أهل الطريقة وإن قدمت الإطار التوحيدي قاعدة للانتماء الروحي والمرجعية الفكرية والاعتقادية - وهو نفس ما أرسى النورسي عليه منظومته البيداغوجية - إلا أن تعاليم الطريقة قَصُرَتْ عن أن تربط الأواصر بين الروح والمادة، بين الحياة الدنيا والآخرة، بين الواقع المصيري للمسلمين في دار دنياهم، وواقعهم المصيري في الآخرة، ومن ثمة حدث الانفصام في العلاقة بين المسلمين وبين التاريخ ، إذ اختاروا أن يكون مكانهم فيه شاغرا، بركونهم إلى أوهام تأويلية تزهيدية ما أنزل الله بها من سلطان.. الأمر الذي تفاداه النورسي ، إذ وازن النظر وجعل سعادة الدنيا من سعادة الآخرة ، اطرادا على ما قرره القرآن العظيم.

النورسي وخطاب النقمة ورد الفعل

كان طبيعيا أن ينظر النورسي إلى الغرب تلك النظرة الصارمة التي جاءت رد فعل لما ظل الغرب يرتكبه في حقنا منذ الحروب الصليبية من اقترافات.

لقد حملت تصريحات النورسي في مطلع هذا القرن، بل وقبله، روحا ناقمة على الغرب، لأنها أدركت المخاطر والشرور التي لبث الغرب يستهدف بها الأمة ويواصل بها محقها وإعاقتها عن الأخذ بأسباب الحياة والانبعاث.

على أننا من جهة أخرى وجدنا النورسي يُضَمِّنُ خطابه الناقم ذاك جانبا إنصافيا يلفت فيه الأذهان إلى تلك المكاسب الارتفاقية والمعرفية التي تحققت للغرب مقابل انعدام شبه مطلق في التجدد المدني والتطور المعرفي الذي ميز ساحتنا نحن المسلمين بفعل رسوخ ظاهرة الانحطاط بيننا.

فنقمة النورسي على الغرب بهذا الوجه الاعترافي كانت ردة فعل على عدائية ظل الغرب يناصبنا بها منذ أن رأى حضارتنا تستبحر وتتوسع مقابل تقهقر حضارة اللاتين وانطواء رايتهم عن التخوم الجنوبية للمتوسط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت