فهرس الكتاب
بل لقد وجدنا النورسي - وهو يمعن في انتقاد مساوئ المدنية الغربية وفي التشهير بمظاهر تحللها وإفسادها للفطرة - لا يكف عن إبداء الأمل بانفتاح الروح الغربية في يوم ما على الشريعة الإسلامية، ذلك لأنه كان يجد لدى الغرب ضوابط واعتبارات في العمل والتعامل والمثابرة ما كان حريا أن يكون من صفات المسلمين، إذ أن روح الشريعة الإسلامية قد أمرت بالأخذ بذلك النمط العالي والجاد من النفاذ والشمائل الانجازية..
لقد كان النورسي يعي الشر المستطير الذي تحدثه المدنية الرأسمالية في المجتمعات الغربية، إذ كانت ماضية في التغيير من حال الإنسان ، لتزج به في مهالك الأنانية والابتزاز والجحود.
وقد كان يتهيأ للنورسي أن التوغل في دركات الفساد والانحراف من شأنه أن يدفع بالمجتمعات الغربية إلى تلمس العلاج في دساتير السماء، وفي مقدمتها القرآن.
لقد آمن النورسي بهذا المصير الرشيد الذي توقعه لأمم الغرب ولم يستبعد حدوثه. ومما لاشك فيه أن تفاقمات الإنسان الغربي اليوم لا تزال تحتد ، وتطلعاته إلى السماء بدأت تتجلى بشكل أوضح آية ذلك هذا الاستقطاب المفاجئ الذي تأتَّى للكنيسة في العشرية الراهنة ومارسته على فئات متكاثرة من الغرب، والذي لا يؤكد إلا أن دساتير الأرض قد آذنت بإفلاسها، وأن عودة البشرية إلى الله لا محالة حاصلة. ولن يضير المتأمل البصير بعد هذا، أن تكون الاستجابة الغربية الراهنة تطرق باب الكنيسة، إذ ليس يُسْتَغْرَبُ قابلا أن تيمم الوجوه شطر المسجد الحرام، وأن ترسو القاطرة في رحاب القرآن. فالوعي الإنساني متدرج إلى الرشد، سنة الله في الخلق.
النورسي يدعو إلى التغاضي عن عداوة الغرب لنا وتجاوز حال الكراهية إلى بذل الجهد في البناء والانتفاع من معطيات المدنية الغربية
مما لاشك فيه أن النورسي قد بنى نظرته إلى الغرب ، على مستجدات حدس فيها الإطار الذي ينبغي أن تأخذه العلاقة بين المسلمين وبين الغرب.