فهرس الكتاب
لقد رأى أن استمرارنا على حال النفور من أعدائنا نتيجة ما ألحقوه بنا من أذى أخذ صورته البشعة في الاستعمار المباشر لبلادنا، لم يعد له من جدوى ، ولن يفيد في ما ينبغي للأمة أن تتوق إليه من نهضة تتقوم بها أوضاع المسلمين وينهضوا من ترديهم. من هنا ألفيناه يصرح بوجوب التحول بالأنظار والعواطف إلى جهة المستقبل ، والتغاضي عن الجراحات.
"لقد انتهى عهد العداوة والخصام ، ولقد أظهرت الحربان العالميتان مدى ما في روح العداوة من ظلم فظيع ودمار مريع، وتبين أن لا فائدة منها البتة، وعليه فلا ينبغي أن تجلب سيئات أعدائنا - بشرط عدم التجاوز - عداوتنا، فحسبهم العذاب الإلهي نار جهنم" (1) .
وليس خاف في هذا النداء الذي يتوجه به النورسي إلى الأمة، البعد الاستنفاعي المستقبلي الذي يرجو أن تحرص الأمة على إعطائه الأولوية ، إذ أنه يرى أن المهمة النهوضية تتطلب شبه تفرغ تخلص به جهود المسلمين للبناء، الأمر الذي لن يتأتى لهم إذا ما تبددت العزائم وراء العواطف والمشاعر بدل العمل والتطوير.
لابد من رؤية جديدة للذات من أجل إقامة تعامل إيجابي بين الحضارتين.
إن عملية التلاقي مع الغرب الأوروبي - كما يراها النورسي - ينبغي أن تتم - أولا - على مبدإ تصحيحي مزدوج ، يأتيه الجانبان معا، بتغيير الاختلال غير السوي الذي يجسده موقف كل من الطرفين حيال ذاته وحيال الآخر، ذلك الموقف الذي خرجت به الذات الحضارية عن جادة السنن الفطرية وعن القوانين الالهية في كل من العالمين المسلم والغربي.
إعادة الاعتبار للقطاع المعنوي من مقدراتنا الوجدانية.
(1) صيقل 509