فهرس الكتاب
أما فيما يخص الآخر ، فلا جرم أن العمل التعديلي المطالب به يبدو من الصعوبة بمكان ، إذ هو تعديل ذو طبيعة جوهرية أخلاقية في الأساس. إذ أن التراجح بين كفتي الأمتين: المسلمة والغربية - أو إذا شئنا الفارق الحضاري بين العالم المتخلف والعالم الغربي المتطور - لم يعد كما يتوهم الغرب - ولو إضمارا - تراجحا نوعيا قائما على مزايا عرقية ثابتة تتباين في ظلها خصائل عرق على آخر .. إنما التراجح يرجع في أصله إلى تباعد كمي في مستوى الارتفاقات الحياتية والمكاسب العلمية والمنجزات المدنية ، مردّه الانطلاقة المبكرة للغرب، تلك الانطلاقة التي كان صعيد الارتكاز فيها، هو الناجز الحضاري الذي ورثه الغرب عن حضارات الأمم العريقة وفي مقدمتها الأمة الإسلامية ، إذ بسط الغرب نفوذه على الفضاءات الحيوية الفسيحة في العالم واستغل مقدرات الشعوب التي تمكن من الاستحواذ عليها بالعدوان واصطناع منطق المغالبة..
فالآخر مطالب بإعادة النظر في علاقته مع الغير من الأمم المستضعفة، وبإدخال تصحيح أكبر وأعمق يتأكد على صعيد ذاتيته هو بالذات .
الغرب مطالب بأن يتجاوز محوريته أو لوغوسانتريزميته المرجعية
إن التعديل المنتظر من الغرب ينصبُّ - حتما - على طبيعة العلاقة التي تربطه مع الغير، وعلى ضرورة تجاوز الجوهر الاستئثاري الاحتكاري الذي يطبع تلك الروابط ،الأمر الذي يتطلب التسوية لا على مستوى صلة الغرب مع الآخرين، ومنهم نحن المسلمين خاصة، ولكن من حيث وجوب تغيير نظرته إلى نفسه أيضا. ولن يكون ذلك إلا بالتخلي عن منزلة المرجعية الكونية التي خص بها نفسه، كعرق ومعرفة وحضارة متعالية.