الصفحة 1846 من 3036

إن بناء المصير التصالحي المشترك بين الأمم، ووعيها بالمستقبل الإنساني الداعي- وبشكل ملح - إلى التفاهم المتبادل وإلى التعامل الكريم ، لمن شأنه أن يخفف كثيرا من عناء الإنسانية ويكفل لها الانفراج المثمر..إذ البشرية مجتمعة تقل سفينة واحدة، فسلامة البعض تقتضي لزاما سلامة الآخرين ، ولا يفتأ مصير البشرية يتفاقم بعماية الطرف الغالب وضلاله وتجاهله للمخاطر التي تحملها مغامراته وقراراته الأنانية الانفرادية.. فبعد أن محا الغرب من حسابه كل اعتبار للبشرية إلا الاعتبار الكسبي، ها قد استطار شره ليس تجاه الإنسان فحسب، بل لقد طال إلى الطبيعة والإيكولوجيا نفسها ..

لا جرم أن الغرب يدرك أن غرق السفينة سوف يودي بالجميع ، لكنه لا يعتبر ولا يتحوط لذلك، غواية وضلالا.. لقد ارتكزت إدانة النورسي للغرب ومدنيته الدنية كما ينعتها، على سياسة الإهلاك التي يمارسها ضد العالمين ، بشرا ومقدرات طبيعة وإيكولوجيا ، بعيدا عن وازع العقل والشرع الذي لا مجال معه لتبذير أو إسراف أو مجانية..

وليس عجيبا أن نجد تلك الإدانة التي طفق النورسي يوجهها إلى الغرب، تتماس مع جوهر مطالب منظمات إنسانية عديدة تناضل اليوم وبشيء من البسالة في بعض الأحيان، وتشهر نفس القيم القائمة على الرأفة بالبسيطة ، وتدعو إلى التثمير العقلاني الكريم للكون ولخيراته التي كفل الله بها لمخلوقاته جميعا السعادة والكفاية، شريطة أن يستغلوها بالقسطاس. إن الأرض - كما يقرر النورسي - هي مائدة الله العامرة التي وضعها بين يدي مخلوقاته ، فلتنل هذه المخلوقات ، لا سيما الإنسان، من مائدة الله بكرم وعفاف..

"إذ قاعدة الإباحة والضيافة هي التصرف ضمن رضى المضيف. فينبغي التصرف في جميع النعم في الدنيا وفق شريعة المضيف الكريم" (1) .

الصحوة وشروط النهوض

(1) الملاحق 93

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت