الصفحة 1847 من 3036

وفي ما يخص خطوات اليقظة والانبعاث، أو تحقيق الصحوة وشروط النهوض، فإن النورسي ، يرى أنه على الأمة أن تعمل على تجديد الوعي بالذات التاريخية وبالمرصود الحضاري المنجز، ذلك المرصود المردوم تحت رماد حضارتنا الغاربة وتاريخيتنا المشلولة..

والأمر عنده - قطعا - ليس الوقوع في مطب التغني الأخرق بالذات كذلك الذي يلازمنا اليوم ، بعد أن اتخذنا أمجاد الماضي مدامًا نثمل بها وننسى فجائعنا ولواعجنا كلما جابهنا الواقع المكفهر.. لقد غدا واقع تمجيد الماضي لوثة تزرع في ضمير المسلم المعاصر، ليس الوعي المقوي والباعث على الانطلاق ، ولكنها استحالت إلى مخدر يحجب تباريح الراهن ، ويضع بين العقل وحال التردي المرير الذي تعيشه الأمة سدا وعازلا تشل به إرادة التغيير ، بما تجد الجماهير في ذلك السلوان المجاني من أسباب التعويض ودغدغة الذات..

لقد ظل النورسي على وعي حاد بهذا الخطر الذي يتهدد الأمة بسبب سوء استغلالها لعبر تاريخها، ولأنه كان حريصا على أن يجنبها الوقوع في مزلق التمجيدية والانتصارية الخادعة، فقد رأيناه يجدد الرؤية الاستقرائية للتاريخ، إذ أنه كان على يقين من أن الاستنامة إلى تلك الخلفية الحضارية الرائعة التي طفقت تلابس مشاعر المسلمين والمتسمة بروح تنزيهية تمجيدية طفق المسلمون يضفونها على تاريخيتهم بكل أطوارها حتى الانحطاطي منها ، إنما كانت من أسباب مضيهم على طريق الحطة والتردي..

لكأنهم استشعروا نوعا من براءة الذمة إزاء التاريخ وإزاء مسؤولية الوجود التي لا يتحرر منها الكائن الحي إلا إذا وسد الثرى، ترى هل لأنهم رأوا في ما حقق أسلافهم الكفاية التي تعصمهم من تبعة الجهاد والكد والانبعاث؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت