فهرس الكتاب
من هنا راح النورسي يستخدم منهجا نقديا ربما لم تألفه قابلية الأمة في ما سلف، فقد دأبت نظرة الأمة تصطنع صلة التباهي الأخرق والاعتزاز المجاني بتاريخها، بدل أن تكون وقائع ذلك التاريخ اعتبارية، باعثة على تصفية أسباب الحطة والهوان.
التاريخ خبرة حيوية إيقاظية فذة تتطلب إعادة الرسكلة المستمرة.
لقد جعل النورسي من قراءة التاريخ نشاطا ترشيديا لا يقف فقط عند الصحائف البيضاء يعشي بها الأعين عن أن ترى ترديها، ويشنف بها المسامع لتمضي في نشوتها السكرى، بل لقد حرص على أن يشهر سلاح النقد ، فيتمحص الأحداث ويسجل عليها أو لها من التقويمات ما تستحق.
لقد مضى يستقرئ التاريخ ويبسط صحائفه، لا سيما تلك الصحائف التي كانت الوقائع المخزية سودتها، وراح يصوغها في إطار اتعاظي، حتى لا يغدو التاريخ مجرد دغدغة تبعث ظلالا من النشوة يسترسل بها سباتنا ويستمر قعودنا في وقت تنهال أفؤس التدمير على الأمة من كل جانب. ولعل ما قرأ به النورسي وقائع من العهد الأموي مثلا، وما اشتجر في ذلك العهد من أخطاء جرت البلاء العظيم على تاريخية المسلمين وعلى مسار حضارتهم، يعد نموذجا استقرائيا ايقاظيا اتبعته بيداغوجية التثوير والتوعية التي كان النورسي يمارسها في تعامله مع التاريخ والتراث.
فالقراءة التاريخية التي باشرها الأستاذ النورسي، هي قراءة واعية، ناقدة، منوطة بخلق التحسيس الكافي والتوعية المطلوبة التي تكفل للأمة اليقظة وتحرك فيها همة الانبعاث وإرادة الحياة الكريمة، إنها - قطعا - ليست قراءة غرضها استثارة عواطف الزهو الفصامي والتغني الإلهائي الذي لا طائل من ورائه سوى تمديد عمر الحطة وتطويل زمن الارتكاس .. لقد جعل النورسي من التاريخ وعيا يجب أن يستدعى إلى الضمير في كل حين ، وحالا شعورية لابد أن تظل حاضرة في الوجدان ، كدافعية معنوية تشحذ الهمم وتهون من وطأة التبعات وتخفف من مكابدة الجهاد وتدفع بالعمل النهضوي قدما.