فهرس الكتاب
لقد آمن أن - المفاعلة مع الآخر - الغرب - لا ينبغي أن تكون انغماسا وتحللا من المقومات ، ولكن علينا أن نجعلها جسرا يهيئ لنا فرص الاستيعاب والتمكن من أسس تلك الحضارة وأسبابها الخلاقة، وهذا بالوعي بالمقاصد التي ترتكز على شرط حاسم قوامه حسن التمثل والهضم لمعطيات الحضارة الأوروبية بما هي الحضارة الظاهرة في العصر الراهن، وليس بالتجرد أو الانسلاخ من الخصائص والمقومات.
فليس هناك أي مبرر للتفريط في الخصوصية الروحية للأمة المسلمة المنتمية إلى بلاد الشرق ذات النزعة الروحانية الثابتة ، والتي كانت ظاهرة انبعاث النبوءات على أديمها من أسس مرتكزاتها التاريخية والحضارية.
النورسي يشير باصطناع منطق مرشَّد نافذ وفعال في ضبط دينامية التواصل مع الغرب.
لم يوصد النورسي الباب في وجه التعامل والاستفادة من المدنية الغربية الراهنة رغم ما ظل يكيله لها من طعن وتجريح..
ولم يكن خافيا على النورسي روح العداوة المستحكمة في الغرب والتي تشرط علاقاته وموقفه منا ، ومع ذلك يصر النورسي على وجوب غنم ما في يد الغرب من معارف وتقنيات ومهارات ومعارف.
فمعاداة الغرب لنا لا ينبغي أن تقعد بنا عن السعي إلى الاستفادة من مدنيته والأخذ بالأسباب التي يمكن أن يفيد منها المسلمون في نهضتهم.
بل لقد رأينا النورسي - في تقويماته لمدنية الغرب - يلازم منطق القسطاسية، فحملات الإدانة والتجريم التي ظل يشنها على مدنية الغرب جراء تحللها الفظيع وعنصريتها المفضوحة ولا إنسانيتها السافرة ، إن تلك الحملات قد اقترنت لديه على الدوام بوقفات الاستدراك والتحفظ والإقرار بما لتلك الحضارة من فوائد جمة تخدم الإنسانية وتستحق أن تكون موضوع أخذ واقتباس من قبل المجتمعات المتأخرة ومنها المجتمعات المسلمة.. لقد ظلت الموضوعية التقويمية وازعا ثابتا في أحكام النورسي المدنية، لم يتجرد منها حتى في أشد المواقف احتداما.