الصفحة 1852 من 3036

في ظل هذه الحصافة وقف النورسي نفس الموقف من معارف الغرب الفكرية أو النظرية.. لقد اعتبرها معارف مستنبتة في غير تربة الهداية، فمعارف الغرب وإن اشتجرت بتعاليم الإنجيل ، إلا أن الإنجيل نفسه داخلته الأساطير والإسرائيليات والتحريفات الهلينية والهرمسية القديمة ومسخته وأفقدته سماويته الحق ، الأمر الذي جعل شجرة المعارف في الغرب تنبت على أديم روحية تناهض الدين الحق وتتناقض مع جوهر التنزيه.

من هذا المنظور حكم النورسي على الفلسفة - أم العلوم عندهم - بالفساد، واعتبرها لونا معرفيا ضارا ، إذ أن تمحلاتها وفذلكاتها التصورية لا تفلح إلا في إثارة الإشكالات الميتافيزيقية ، دون أن تتوصل إلى استحصال الأجوبة الشافية والقاطعة والتي تتأبى عن المراجعة، عكس تعاليم الدين السماوي الذي هو شريعة حياة وإجابات قاطعة تحسم للإنسانية أمر مصيرها ومعادها..

على أننا وجدنا النورسي - وأخذا منه بمبدإ النزاهة الفكرية والاتزان الموضوعي - يقر أن الفلسفة المعاصرة - بخلاف القديمة - تنهض بدور مفيد ونافع في مضمار التفتيق العلمي والثراء المعرفي، وهو ما يعود بالنفع على الإنسانية ويذلل لها صعوبات الحياة والمعاش.. من هنا راح النورسي يخص الفلسفة الحديثة بالإشادة ، تقديرا منه لمردوديتها على صعيد الاستخدام العلمي والتطبيقي والمدني.. ومن هنا أيضا كان ترخيصه للنظر الفلسفي متى كانت غاية هذا النظر هي تحقيق النفع العام ، والاستجابة لمتطلبات الحياة العملية والارتفاقية..

فالفلسفة المدانة عند النورسي ، هي فلسفة الترف الفكري الميتافيزيقي التهويمي والافتراضي التي لا طائل وراءها إلا التشويش الروحي على الإنسان والزج به في متاهات الضلال والإلحاد ، وذاك ما يقعد به عن السعي والتفتح واعتناق مثل الخير واليقين ومحبة الإنسانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت