فهرس الكتاب
فالدين السماوي قد تكفل - في جملة ما تكفل به - بحسم أمر الميتافيزيق ، أو الماوراء ، وعلى الإنسانية ألا تضيع وقتها في وضع الفرضيات والفرضيات المضادة في هذا السبيل الذي لا قدرة لها على استشراف آفاقه ، بل عليها أن تأخذ بالمعطى الديني السماوي في ما يخص عالم الغيب والمصير، وأن تجند فكرها في مضمار الفتوح العلمية والتكنولوجية التي ترتقي بحياة الإنسان وتكفل له الكفاية وتجعل منه حقا خليفة لله في الكون..
أمراض هدامة ينبغي على المسلمين أن يتلافوها فلا يستوردوها من الآخر.
لم تضح عدوى التأثر - منذ مستهل مرحلة التفتح الأولى - تنقل إلينا من أوروبا مبتكراتها ووسائلها المادية والصناعية فحسب ، بل لقد طفقت الأفكار والقيم والمثل الأوروبية تتحول إلينا وتؤثر فينا وتقلب موازين واقعنا وتحور من قواعده وقيمه بما يعمق من الشرخ الذي كانت تلك النقول تحدثه في ضميرنا الجمعي وفي شخصيتنا ومليتنا..
مفهوم القومية العرقي عتبة عبرت منها إلينا أمراض الإلحاد والإذابة.
ولعل من أبرز التحويرات التي طرأت علينا في مضمار تمثلنا للشخصية الملية، النظر المستجد لمفهوم القومية. لقد تسرب إلينا هذا المفهوم ملتبسا بمعاييره العرقية الفجة كما استقرت في مدارك الغرب، فبعد أن كانت قوميتنا دينية مفتوحة على الإنسانية جميعا ، لا تفرق بين الأعراق ما دام رداء الدين السماوي قد جمعنا في كنفه، أضحى الإنسان المسلم ينظر إلى نفسه وإلى قبيله ، ضمن رؤية خصوصية أساسها الدم والعرق واللغة والمحلية.. لقد ارتكست نظرة الإنسان المسلم وتقهقرت على سلم الوعي، إذ صارت نظرة انعزالية، طائفية، عرقية، بل وأضحت نظرة قبائلية عشائرية، بفعل الفهم الطارئ الذي نفذ إلينا من فكر أوروبا، ذلك الفكر الذي قام في مستهل نهضته على أساس قيم وتبلورات بشرية بدائية محورها العرق والنسب الجنسي..