فهرس الكتاب
وأما القسم الإيجابي، فهو النابع من حاجة داخلية للحياة الاجتماعية، وهو سبب للتعاون والتساند وتحقيق قوة نافعة للمجتمع ويكون وسيلة لاستناد أكثر للأخوة الإسلامية. هذا الفكر الإيجابي القومي ينبغي أن يكون خادما للإسلام وأن يكون قلعة حصينة له وسورا منيعا حوله ، لا أن يحل محل الإسلام ولا بديلا عنه، لأن الأخوة التي يمنحها الإسلام تتضمن ألوف أنواع الأخوة ، وأنها تبقى خالدة في عالم البقاء وعالم البرزخ.." (1) ."
إن منافحة النورسي ضد الفكر القومي كانت تضع في حسابها المرامي الخطيرة التي يستهدف تسريب مثل هذا الفكر.. فتبني مقوم القومية بمعناها العرقي هو تبن للانعزال عن الأمة ، والانعزال رديف العزلة ، والعزلة باب للضعف والانكسار أمام المستعمر، فالغرب بواسطة الدعوة إلى القومية كان يرمي إلى جندلة الأمة الإسلامية من خلال قهرها أجزاء وأعراقا وكينونات مقزمة، وهو ما ييسر عليه في الناتج الأخير إذابتها ومسخها.
بل إن تمرير فكرة القومية هو تمرير للفكر الإلحادي مباشرة، إذ أن من يقبل بالتحلل من أخوة الدين لِتستغرقه أخوة العرق، يكون قد قبل بعقيدة الإلحاد، لأنه قبل التفريط في اللحمة والرباط الذي كان في ضوئه يُعَدُّ جزءا من كيان الأمة لا يتجزأ.
من هنا ألفينا النورسي يسد باب الحوار مع أصحاب الدعوة إلى الفكر القومي، لأنه أدرك ما كانت تلك الدعوة تتقصده من كيد للإسلام وضرب لعقيدته..
فلا غرو إذن أن تقترن لديه مواقف مناهضة الفكر القومي- بمعناه الانعزالي - مع مجاهدة الالحاد، إذ سبيلهما واحد، ومدخل أحدهما يستتبع مدخل الآخر بداهة.
لذا حذر النورسي من مغبة الاستهانة بتلك الدعاوى العرقية ، بل لقد ظل يصرح بأن الرسائل ترابط على جبهة مدافعة الملاحدة وسد الأبواب في وجوههم. وما ذلك إلا لأن المخاطر التي كانت تحدق بالأمة كانت تتهددها من ذلك السبيل.
(1) المكتوبات414