الصفحة 1857 من 3036

فالأم العزبة - كما سموها - تحمل ممن علاقتها به لا تعدو علاقة عابر السبيل، ثم تتكفل بمفردها بتربية وليدها إلى حين ، كمن يربي داجن من الحيوانات المنزلية لا غير ، حتى إذا شب الطفل ، جابهته حقيقته اللقيطية ، فانخرط بمحصلة من العقد يُصَعِّدُ بدوره من الخطا على طريق الدمار الذاتي الذي تسير فيه أوروبا بسبب تحللها التربوي عن ضوابط القداسة. من هنا ألفينا النورسي يستريب من قيم الغرب وينذر من مغبة المآل إن نحن تابعناهم في طريقهم التفككي ذاك.. فلقد لفته - منذ ذلك الحين - تفشي ظاهرة العقوق التي تميز الأوساط المتغربة والتي اتبعت السبيل الغربي واعتمدت قيمه بدل التربية الإسلامية في تنشئة أبنائها ، وهو ما جعله يصرح بأن:

"التربية الأوروبية التي حلت محل التربية الإسلامية جعلت واحدا ابنا بارا بوالدته من بين كثرة من الأبناء" (1) .

إن هذا الحكم الثابت الذي يصدره النورسي في مجال الاستيلاب الأسروي لمن شأنه أن يلفت الأذهان إلى مسألة الاقتداء بالغرب ، لا سيما على مستوى حيوي مثل هذا المستوى المتعلق بالأسرة وبالمصير الإسلامي كلية. فتنبيهه من هذا الجانب يغدو من قِبَلِهِ استشرافا حصيفا تحوط به للمستقبل ، إذ لم تفته المخاطر التي تنجم عن تفكك الأسرة المسلمة إذا لابستها قيم غير قيم القرآن..

والملاحظ اليوم أن التصعيد الاستيلابي بات يستهدف ، وبتركيز لا غبار عليه، قوانين الأسرة في المجتمعات المسلمة التي ما تزال تنص دساتيرها على الطابع الشرعي لتلك القوانين. (2)

وإذا كان مجرد الأخذ بقيم التنشيئة قد جعل عُشْرَ الخلفة ينجو من مغبة النكران والعقوق - كما سجل النورسي رحمه الله - فكيف ستكون الحال يا ترى إذا ما اعتمدت صراحة القوانين الوضعية في البلاد المسلمة؟

(1) الملاحق 342

(2) الزوج وعلاقته بزوجته في ظل تمكن التربية الأوروبية من مجتمعنا .الملاحق341.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت