فهرس الكتاب
تلك - يا أخي - هي حكمة الصلاة في هذه الأوقات التي هي منعطفات يومية، وانقلابات زمانية، لكل وقت وزمان منها نوع من أنواع فيوضات الرحمة الإلهية، ولون من ألوان تجليات الأسماء الحسنى. فيبادر إليها المؤمن بصلاته حتى لا تخطئه بركاتها، ولا تفوته رحماتها. (1)
31-الإنسان ثمرة الأزمان
في البذرة ينطوي ماضي الشجرة ومستقبلها. وعندما تورق شجرة ما وتتفتح أزاهيرها، وتنضج بعد ذلك ثمارها، فأن هذه الثمار ينبغي أن تتقدم بشكرها للبذرة نفسها، وللجذر الممتد عميقا في باطن الأرض، وللجذع الذي حمل الأغصان، ومر من خلاله الماء والغذاء من باطن الأرض لكل ورقة وزهرة وثمرة.
أما إذا ركب هذه الثمار الغرور، وأصابها العجب، وتعالت شامخة على أغصانها وتشبثت بحاضرها، وتنكرت لماضيها، وتناست أصلها، وظنت - في غمرة خيلائها - أنها في غنى عن غذاء جذورها وخمائر جذعها فأنها تكون بذلك قد خانت نفسها، واختَرَمَتْ حياتها، وأوردت ذاتها موارد الموت والهلاك.
الإنسان أيضا هو أنفس ثمار الوجود، وأجمل أزهار الكون، وأكثر أشجار الأرض طيبة، ورسوخا وجمالا وظلا، تخضر الأرض باخضرار نفسه، ويخضل العالم باخضلال روحه، ويندى الوجود بأنداء قلبه، وتتفيأ الشمس نفسها بوارف ظله.
هذا هو الإنسان الكامل العارف الجامع - في لمحة - بين ماضيه وحاضره ومستقبله، والنافذ ببصيرته إلى جذوره وأصوله الموغلة في القدم .. والعالم بأنه بالمشيئة قدم العالم، وبالقدرة نزل الأرض، ومن الحي أستمد الحياة، ومن الخالق أستوهب خلقه، وقام يدب على الأرض بشرا سويا، وهو بالبصيرة نفسها يطل على مشارف الأبد، ويرنو إلى ضفاف الخلود، ويهفو باشتياق إلى عالم البقاء، وهو على ثقة ويقين بأنه بالباقي سيبقى، وبالخالد سيخلد، ومن الأبدي سينال الأبد، ويحصل على الخلود.
(1) الكلمات - النورسي ص 38- 46 أنظر"رجل الإيمان"الصفحات 106- 113.