فهرس الكتاب
حاول في كنف ذلك المزج الهادف تحقيق مجموعة من المقاصد الجزئية تتجلى فيها ما سبقت الإشارة إليه، وأوّل تجلياته إشهاد السائح لمخلوقات الله على وجود خالقها سبحانه تعالى، فكانت الشهادات تترى الواحدة بعد الأخرى في إطار تكاملي واستقراء لا يحصى كثرة، فشهدت السماوات وجوّها والأرض وما فيها وعليها من بحار وأنهار وجبال وصحاري وأشجار ونبات وطيور وحيوانات، وأتبع تلك الأدلة بشاهدات سادة البشرية واتباعهم، فذكر لنا شهادات الأنبياء عليهم السلام والعلماء والأولياء الصالحين والملائكة، ويخلص أخيرا إلى اتفاق كلمات الجميع على تقرير الحقائق التي استودعها الله العقول السليمة والقلوب الخاشعة من فهم وخضوع وتسليم عقلي وقلبي، وتتأكّد الحقيقة نفسها بشهادة عالم الغيب والوحي والإلهام .
جعل النورسي الباب الأول مطيّة لتبليغ براهين التوحيد، إذ بعد إثبات الوجود لا بد من البرهنة على التوحيد، فبدأ رحلته بحقيقة الألوهية انتقل بعدها إلى حقيقة الربوبية والكمالات والحاكمية المطلقة، لينتقل إلى تناول متعلّقات الموضوع .
أورد في ثنايا الحديث عن المتعلّقات كلاما يدخل القلب دون استئذان، فبيّن حقيقة العظمة والكبرياء والأفعال الربانية.. وهكذا في سائر مظاهر القدرة الإلهية في الأفعال البشرية وما يحط بها من ظروف، ويتحفنا بعدها بحقيقة الفتح الإلهي على الإنسان والذي من تجلياته الرحمانية والتدبير والإرادة والرحيمية والرازقية، ليخلص في آخر الجولة إلى المهمة الأساسية من رسائل النور في ظل التخريبات الكلية المسلّطة على الأمة.
يرى النورسي أن مهمة رسائل النور في ظل هذه الظروف هو تعمير التخريبات الكلية التي طرأت على الأمة، وحاول تجلية الأمر في الفرق بين مسالك أهل الضلال من جهة ومسلك أهل الإيمان من جهة أخرى، فالأوّل يمثّل طرق الشقاوة والثاني يمثّل طريق السعادة والرقي والحضارة والنجاح في الدنيا والفلاح في الآخرة.