فهرس الكتاب
( أما الإنسان المنحصر في حلقة واحدة من حلقات الزمن، وفي دائرة واحدة من دوائره وهي دائرة الحاضر، المنقطع عن الماضي والمبتوت الصلة بالمستقبل، فسوف تضيق نفسه بضيق زمانه، وتتحدد آفاق نظرته، ويدخل مرغما في عنق الزجاجة الزمنية الضيقة الخانقة التي تسد منافذ المروءات في نفسه، وتوصد أبواب المكرمات في وجدانه، وتتحول سجاياه الإنسانية الموروثة والتي لا تعرف الحدود إلى سجايا نفعية، وأخلاق انتهازية متلونة، يعامل من خلالها الناس الذين يعاصرهم ويعايشهم وكأنهم كائنات زمانية محدودة بحدود هذا الحاضر الذي يعايشونه، وكأنه لا يعرف من أي ما ض تليد مفعم بالمكرمات قد أتوا، ولا إلى أي مستقبل سيلتقيهم في رحابه بعد انقضاء هذا الزمن الدنيوي مهما بدا طويلا في ظاهر أمره وعندما ينظر الإنسان المحصور في دائرة الحاضر هذه النظرة الكليلة القاصرة تتحول المحبة لديه والتي هي منبع كل الفضائل البشرية من كونها عنصرًا من عناصر امتداد الإنسان في الأشياء من حوله ونفاذه في الكائنات الحية وخلوده في البشرية التي سيلتقيها على أبواب الآخرة إلى مجرد عاطفة ضيقة يابسة توريها المصلحة وتلهبها المنفعة فتفقد بذلك حرارة الروح ونبض الوجدان ودفء القلب الذي يعطي عطاء من لا يريد جزاءً ولا شكورًا .
وحتى محبته لأبيه أو زوجته أو ولده أو أمه، تغدو محبة يكتنفها الجفاف، ويعتورها اليبس، لأنها لا ترتوي من ذلك الحنان الأصيل العميق الذي به ترقى المحبة إلى مرتبة الخلود، وترتفع إلى قمة الأبد، ولا يستطيع الموت نفسه أن ينال منها، لأن المحبَّ قد أعطى من قلبه للخلود، ووهب للبقاء، ولم يعط من أجل لحظة عابرة، أو لمحة خاطفة، لذا كان المتحابون في الله - كما ورد الحديث الشريف - على منابر من نور يغبطهم عليها الأنبياء والصديقون والشهداء .