فهرس الكتاب
-خصص النكتة الثانية لبيان جهتي التكوين البشري، وتتلخص أولاهما في الأنانية المقصورة على الحياة الدنيا، والثانية جهة العبودية الممتدة إلى الحياة الأبدية، فإذا ربى الإنسان بذرة استعداده وسقاها بماء الإسلام وغذّاها بضياء الإيمان تحت تراب العبودية موجها أجهزتها المعنوية نحو غاياتها الحقيقية بامتثال الأوامر القرآنية، فلا بد أنها ستنشق عن أوراق وبراعم وأغصان تمتد فروعها وتتفتّح أزاهيرها في عالم البرزخ، وتولّد في عالم الآخرة وفي الجنة نعما جامعة لحقيقة دائمة ولشجرة باقية، ويغدو الإنسان آلة نفيسة ذات رونق وجمال، وثمرة مباركة منورة لشجرة الكون.. والسمو الحقيقي إنما بتوجّه القلب والسر والروح والعقل وحتى الخيال وسائر القوى الممنوحة للإنسان، إلى الحياة الأبدية الباقية واشتغال كل منها بما يخصّها ويناسبها من وظائف العبودية.. (1)
إننا عندما نقرأ هذا الرأي في ظل السطحية المهيمنة نتوهّم أنّ بين الأنانية والعبودية منافاة كلية، بحيث لا يجتمعان، وبهذا وكأننا نحكم بأن الإيمان غير موضوعي وغير واقعي، والأصل حسب تقديرنا أن الإيمان ما جاء لإلغاء الأنانية بل جاء لترشيدها جاء لجعلها محرّكا أساسا لفعل الخير بمفهومه العام، جاء بما يتناغم والمكونات النفسية للبشر، جاء ليجعل العناصر الذاتية خادمة للذات وسببا في استكثار الخير ودفع المؤمن على العطاء المستمر، و يشهد لهذا المعنى حسب تقديرنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم -"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" (2) ، أنظر كيف جعل من حب الفلاح في الآخرة (وهو حب للذات) محرّكا لفعل الخير، لأن المؤمن حقا من يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبهذا يصبح الإيمان عاملا مهما في بعث عناصر البقاء في الإيمان وتكريس وظيفته الاجتماعية من خلال ترشيد الأنانية وإخراجها من العبثية إلى الهدفية.
(1) الكلمات 359-374.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان.