الصفحة 1935 من 3036

و بهذا الصدد يحق لنا التساؤل، هل يمكن اعتبار اختيار العزلة في هذه المدينة وبالضبط في جبل (ارك) ومغارات"وان و بتليس"تركا للسياسة؟ مثلما يصوره أحد الباحثين (حمزة المكسي) .

نحن نرى أن فصل السياسي عن الفكري والعقدي أمر مستحيل عند عامة المسلمين فكيف بخاصتهم من أمثال النورسي، لهذا نعتبر موقفه هذا محض سياسة، لأن السياسة اقتضت منه ترك السياسة (من السياسة ترك السياسة أحيانا) ، ويبدو أن طبيعة العصر فرضت على الرجل اختيار مسلك جديد في الدعوة إلى حماية الموروث المعرفي والدين بجميع محتوياته التشريعية والسياسية وان كانت السياسية غير ظاهرة للعيان وفق ما تقتضيه الإكراهات الفكرية والحضارية الجديدة، وهو ما يبيّن عبقرية النورسي.

يسوغ للباحث أن يتساءل عن منهج المحبّذ للعمل للإسلام في بيئة كان مجرد الحديث فيها عن الإسلام جريمة تصنّف في خانة الخيانة العظمى، ومن ثمّ يعد المسلك الجديد معبّرا عن نباهة منقطعة المثيل، إذ اهتدى النورسي إلى منهج جديد مكّن للفكرة الإسلامية وجذّرها في المجتمع التركي المعاصر دون الدخول في المهاترات والمناقشات التي كثيرا ما تغيّب المحتوى العقدي والفكري بانشغالها بالتقعير الاستدلالي مرة والابتعاد عن البعد الوظيفي للرسالة الإسلامية أخرى، فقد كان مسلكه - بفضل الله - سببا في بعث الاهتمام بالبعد الوظيفي للفكرة الإسلامية .

3/ أتهم النورسي بالتحريض على الثورة المسلّحة التي وقعت في منطقة"ديار بكر"، مما دفع السلطة آنذاك إلى الأمر بنفيه إلى مدينة"بارلا" (أحد المنافي النائية غربي الأناضول) (عام 1926م) حيث سلّطت عليه رقابة شديدة حجزته عن الاتصال بغيره، ولكن الشيخ بما وهبه الله من قدرة فائقة أثّر فيمن حوله، فانقلبوا بتوفيق من الله إلى أعوان ساهموا بقسط غير قليل في إتاحة فرصة كتابة رسائل النور تنويرا للطريق وقطعا لدابر الشكوك والأوهام بأسلوب تذكيري فكري رائد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت