الصفحة 1947 من 3036

إن الإثبات وفق المسلك السابق يتجاوز أن يكون محاولة لإقناع العقل أو مخاطبة الوجدان كل على حدا، إنه نهج خيّر رام فيه صاحبه المزاوجة بين خيري المسلكين، فكان حقا مسلكا جديدا ومتجددا للجمع بينهما في شكل عجيب يقر به النورسي نفسه، حيث يقول:"إن ما يصادفك في المسائل من صورة البرهان ليس برهانا حتى يقال: فيه نظر، بل مبادئ حدسية قيّدت وعقدت واستحفظت بأنوار اليقين المفاضة من القرآن الكريم". (1)

حدسية لاجتماع إشباع حاجتي العقل والقلب في نفس لحظة الإثبات، بخلاف الاستدلال الكلامي والتذكير الصوفي، فالأول يتوجه إلى العقل مع عدم ملاحظة مخاطبة القلب أو الوجدان أثناء المرافعة عن حقائق الإيمان، أما الثاني فيتوجه إلى القلب دون الالتفات إلى العقل وحاجاته أثناء صياغة الخطاب الصوفي أو تبليغه.

إنه منهج عجيب يقوم أساسا على"العقول المستقيمة المنورة والقلوب السليمة النورانية"، الذين قال مخاطبا لهما:"أقبل، فإن أقصر الطرق الموصلة إلى الحقيقة هي من بابكما فهيا لنستفيد بمطالعتنا العقول والقلوب المتصفة بالإيمان ودراسة كيفياتهما وألوانهما، فهذا درس لا يؤخذ من الألسنة كما هو الحال في الطرق الأخرى". (2) ...

إنه اختيار مبدئي أملته الإكراهات الواقعية، ولعل من أهم مبرراته من الناحيتين النقلية والواقعية ما يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:

أما من الناحية النقلية، فيتلمس ذلك من الغرض الأصلي للقرآن الكريم (مع تعدد أساليبه في الإقناع) "هداية الناس إلى طريق الفلاح في الآخرة والنجاح في الدنيا"، استصحب النورسي هذا الهدف في التعامل مع القرآن الكريم في الفهم والإفهام.

(1) المثنوي العربي النوري 318

(2) الشعاعات 160

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت