الصفحة 1952 من 3036

4/ يعد مصطلح الإثبات من أهم مظاهر الخروج من دائرة النخبوية في صياغة الخطاب الدعوي وتبليغه، إذ يدل على أنّ المقصد الأصلي من رسائل النور هو إثبات بعد ثبوت، أي إثبات إيمان راسخ وبالأحرى تثبيت الإيمان الراسخ، ولا شك أن مصطلحات الاستدلال والبرهنة وإن كانت مرشدة لصنف من الناس فإنها قد تمرض البعض الآخر، فكان الإثبات نسجا على منهج القرآن الذي يخاطب المجتمع الإنساني على تنوّع طبقاته في الفهم والسلطان، فيجد العامي ضالته كما يجدها المتخصص، ويجدها الفقير مالا أو جاها أو سلطانا كما يجدها الغني أيضا، لهذا فهي بالقرآن قامت وبالقرآن دامت لأنها وفق القرآن الكريم نسجت.

رام النورسي بهذا المسلك تحقيق جزء من ميزات القرآن في التبليغ لأنها به كانت ومن فيضه استمدت، لهذا حاولت رسائل النور أن تكون إثباتا لحقائق الإيمان لجميع طبقات الإنسان، لا لصنف فقط بل لجميع أصناف البشر، ولكل فيها نصيب من الفهم، والحال أن فهم نوع البشر يختلف درجة درجة…و ذوقه يتفاوت جهة جهة،.. وميله يتشتت جانبا جانبا.. واستحسانه يتفرق وجها وجها.. ولذته تتنوع نوعا نوعا.. وطبيعته تتباين قسما قسما.. فكم من أشياء يستحسنها نظر طائفة دون طائفة، وتستلذها طبقة ولا يتنزل إليها طبقة، وقس.. (1) ، وهذا ما دفع النورسي إلى تنويع خطابات الإثبات في رسائله.

ويعد استصحاب هذه الميزة ديدن كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين، فمن المتقدمين الغزالي الذي يميّز بين أسلوب القرآن في التأسيس للعقائد وأسلوب علم الكلام، وهو الكلام نفسه تقريبا الذي نجده مرددا عند عبد الحميد بن باديس والنورسي.

(1) إشارات الإعجاز 49، أنظر ما يقرب من هذه المعاني اللمعات 178-179،…

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت