فهرس الكتاب
فهذا الكتاب دُرَّةٌ من دُرَرِ أدبه، وتحفة فنية من تحف فكره وقلبه، وهو لا يقل بأي حال من الأحوال -إن لم يرجح في جوانب منه على"مثنوي الرومي"ولكن لسوء حظ هذا الكتاب أنه لم يصبح معروفًا لدى قراء العربية إلا قبل سنين عديدة، حيث أهتمَّ به وحققه الأستاذ إحسان قاسم الصالحي، غير أنه لم يزل ينتظر الناقد الذي يقدمه إلى قراء العربية ككتاب فذ في"أدب الإيمان"وبحاجة كذلك إلى المترجم الحاذق الذي ينكب على ترجمته إلى إحدى اللغات العالمية، وهو لو عُرِفَ بشكل جيد من قبل نُقَّاد الغرب لعرَّفوا به، ولأشادوا به، ولشق طريقه ليحتل مكانة مرموقة إلى جانب أعظم الأعمال الأدبية العالمية.
لأن اهتمامات هذا الكتاب منصبة بالأساس على أوجاع القلب البشري، وآلام الروح الإنساني، وإشفاقهما من الفناء والعدم. فهو مكرس لمساعدة الإنسان على خلاصه من براثن العدم والهلاك الأبدي، وإنقاذه من هجمات الفناء، والأخذ بيده إلى أبواب البقاء والخلود، وهذا هو ما يتوق إليه كل إنسان ويتطلع إليه حيثما كان في هذا العالم، وهذا هو ما سيجعله يتبوأ -في المستقبل القريب- مكانة عالية إلى جانب الأعمال الأدبية الخالدة.
و"المثنوي"ليس مجرد جزالة في اللفظ، ولا براعة في الكلام، بل هو جزالة في المعنى يبهر الذهن، وجلال في الفكر تنحنى له الهامات احتراما، وشرف في المقاصد والغايات تنجذب إليه النفوس العفيفة والشريفة، فقد أوتي صاحب"المثنوي"فضيلة الإتيان بكل جليل وجميل من الأفكار، وبكل شريف وطاهر من الأحاسيس والمشاعر، ولم يزل غراسه قادرا على أن يَزْكُو ويَعْلُو ويعطي ثماره في تربة الأذهان المتلقية، بل هو عنصر فكري مُشِعٌّ يؤثر في العقول، ويستولدها في كل مرةٍ أنسالًا جديدة مبتكرة من الأفكار، تزيد العقول اتساعًا، وتشحذ قدراتها على التفكر والتأمل في عوالم الغيب والشهادة، وعوالم النفس الإنسانية والكونية على حد سواء.