الصفحة 198 من 3036

والمفكرون من ذوي العقول الخصبة، والأرواح الكبيرة، يَشْكُلُ عليهم أمر أنفسهم أحيانًا، فيخالون أنفسهم طورًا في أعلى قمة من قمم العطاء، وآنا في أسفل دركات العجز والقنوط، وهذا الشعور كان ينتاب"النورسي"بين الفينة والفينة وإذ لم يكن لديه ممتلكات دنيوية تشغله عن رسالته، فهو كذلك ليس له ممتلكات فكرية يباهي بها وينسبها لنفسه، لأنه يعزي أعماله الأدبية والإيمانية إلى الهامات القرآن، وأنه ليس أكثر من أداة مسخرة قد سخَّره القدر لخدمة المقاصد الإيمانية والقرآنية، وأنه أعجز من أن يأتي بما أتى به لولا التأييد الرباني، والإلهام القرآني، حتى لكأن حشودا من الإلهامات الربانية تقطن عقله ووجدانه، وتوجُّه رغائبه، وتمْلي عليه خواطره وأفكاره وكثيرًا ما ينتابه التوجس والقلق إذا ما اضطره ظرف ما أن يكون خارج عالمه الروحي، فهو لا يستطيع ولا يقوى على مغادرته إلى أي مكان آخر.

ولكي نفهم عظمة"النورسي"مع التواضع الجم، والإحساس بالعجز والافتقار، يحسن أن نقرأ الآتي بأمعان وتأمل حيث يقول:

(يا ناظر! أظنني أحفر بآثاري المشوّشة عن أمرٍ عظيم بنوع اضطرارٍ مني. فيا ليت شعري هل كَشَفتُ.. أو سينكشفُ.. أو أنا وسيلة لتسهيل الطريق لكشّافه الآتي.) (1) ...

فهو يحفر بسنان قلمه في أغوار"النفس"وفي أطباق"ا لأكوان"مفتشًا عن ذلك الأمر الخفي المكنون مدفوعًا إلى ذلك بقوة قدرية قاهرة يجد نفسه ملزما بطاعتها والاستجابة لها.

وهذا الأمر العظيم إنما هو الكشف للأجيال عن السلك النوراني الممتد بين روح الإنسان وروح الله، وبين أشواق القلب البشري والحب الإلهي العظيم للإنسان اعظم مخلوقاته، وأنقاهم مرآة لجلوات أسمائه الحسنى.

(1) المثنوي العري النوري - النورسي ص239 وانظر المختارات ص 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت