فهرس الكتاب
يظهر أنّ مشمولات الكشف كما هو بيّن من مناهج الصوفية تنسحب على جميع ميادين النظر الإنساني، هذه الميادين التي تتجلى فيها الدلالة اليقينية القطعية على المثبت الإيماني المؤسس عقلا وشرعا بالقرآن الكريم.
تتأسس الكشوفات على الخلو بالنفس في زاوية، يقتصر فيها من العبادة على الفرائض والرواتب مع إفراغ القلب عما سوى الله ولله، مجموع الهم، مقبلا بفكرك على الله… مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن ينتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الحكمة جارية على لسانك لكثرة اعتياده، ثم تصير مواظبا عليه، إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ… بها يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام… انه رد الأمر فيه إلى تطهير محض من جانبك وتصفية وجلاء، ثم استعداد وانتظار فقط. (1)
إن الرغبة في الكشف تقتضي تصفية القلب لله مع استدامتها بالفكر والذكر، ويلزم المؤمن فيها أن يرى طائعا أو على الأقل راغبا في الطاعة في كل حال، إلا أنها ليست استقالة من الحياة رغبة في نجاة الذات، بل هي رغبة في نجاه الذات بالتحرك الفاعل في الحياة، إنها سعي دائم فيها طمعا في مرضاة الله ، تنكشف بإتباع مراسيمه المغلقات وتذلل الصعوبات، لهذا فمن أهم نتائج الكشف العملية اتخاذ موقف واضح من الحياة الإنسانية بجميع مكوناتها، موقف يناصر التصورات الفطرية التي جاء بها النبي- صلى الله عليه وسلم - ، انه موقف يرفض الاستقالة من الفعل الحركي بدعوى انتظار الكشف.
9-المنحى التحليلي
(1) نظرات في فكر الغزالي / عامر النجار 116