جعل النورسي من القرآن الكريم نبراسه وهاديه ومصدره الأول والأخير في التأسيس للمعارف الإيمانية اليقينية القطعية التي جعلها حاكمة على المنتج الفكري البشري في مجمل مجالاته.
يعد الاهتمام بالقرآن الكريم من الناحية التأصيلية بعده الثقافي الظاهر، إذ يمثّل دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، لهذا كانت الدعوة إلى استنطاقه معرفيا دعوة إلى الرجوع إليه، مما يمكّن للوحدة الفعلية بعد هذه الوحدة النظرية (خاصة في جو كثر فيه التشكيك في الحقائق الإيمانية المستنبطة من القرآن الكريم) .
إن لهذا الاختيار الحضاري ما يبرره من الناحية الموضوعية الصرف، فهذا الكتاب بالإضافة إلى يقينية مصدره (الله) ، فهو كتاب رحمة حقيقة، قال النورسي:"أنظر إلى درجة رحمة القرآن الواسعة وشفقته العظيمة على جمهور العوام ومراعاته لبساطة أفكارهم ونظرهم غير الثاقب إلى أمور دقيقة، أنظر كيف يكرر ويكثر الآيات الواضحة المسطورة في جباه السماوات والأرض، فيقرئهم الحروف الكبيرة التي تُقرأ بكمال السهولة" (1) .
الخاتمة
انتهى بنا المطاف بعد جولة علمية هادئة وهادفة في بعض مؤلفات النورسي إلى خلاصة العمل المنجز، فقد تبيّن لنا مما عرضناه أننا أمام شخصية علمية عملاقة، امتزجت فيها عناصر الأصالة ممثّلة في الروح القرآنية المهيمنة على فكره وقلبه من جهة والمعاصرة ممثّلة في الاستفادة من الخبرات الثقافية من جهة أخرى.
تبيّن لنا من هذه الرحلة العلمية مع النورسي في بعض مؤلفاته أننا مع شخصية علمية متميّزة جمعت إلى الغوص في القرآن ذكاء وقّادا وإطّلاعا لا نظير له، فقد كان يستقي المعارف من السنّة المطهّرة والخبرة المعرفية الإسلامية بالإضافة إلى القرآن الكريم، وجاوزها إلى الاستفادة من الخبرة الإنسانية، وقد توخى حين تعامله مع المصادر المشار إليها التركيز على البعد الوظيفي للإسلام .
تميّز عمله المنهجي بمجموعة من الميزات موجزها:
(1) اللمعات 196