فهرس الكتاب
قال رحمه الله:"ونحن هنا سنحاول أن نقرّب إلى الأفهام شيئًا من تلك الحقيقة العالية ببعض الأمثلة، التي تساعد على ذلك، وهي على النحو الآتي: إذ ما نظر إلى هذه الكائنات نظر الحكمة، بدت كأنّها شجرة عظيمة وفي معناها، فكما أنّ الشجرة لها أغصان وأوراق وأزاهير وثمرات، ففي العالم السفلي - الذي هو شقٌّ من شجرة الخلقة - تشاهد أيضًا أنّ العناصر بمثابة أغصانه، والنباتات والأشجار في حكم أوراقه، والحيوانات كأنّها أزاهيره، والأناسي كأنّهم ثمراته، فالقانون الإلهي الجاري على الأشجار يلزم أن يكون جاريًا أيضًا على هذه الشجرة العظمى، وذلك بمقتضى اسم الله"الحكيم"." (1)
وقد نسج بديع الزمان وفق مسلك القرآن الكريم في منهج تقرير حقائقه، فجعل الإفهام مقصدا رئيسا من رسائل النور، إذ حسن الإفهام ولطف الإرشاد من الأسس المهمّة في الإعجاز القرآني، وهما نور من هدي القرآن الكريم، يقتضيان أن تُبيَّن الحقائق الكلية والدساتير الغامضة العامة، في صور جزئية مألوفة للعوام الذين يمثلون معظم مخاطبي القرآن، وأن لا تبيّن لأولئك البسطاء في تفكيرهم إلاّ طرفًا من تلك الحقائق المعظمة وصورًا بسيطة منها.. (2)
"إنّ بيان القرآن في ( الإفهام والتعليم ) خارق وذو لطافة وسلاسة، حتى أنّ أبسط شخص عامي يفهم -بتلك البيانات - أعظم حقيقة وأعمقها بيسر وسهولة (3) ."ويرجع ذلك المقصد إلى كون"القرآن الكريم خطابًا أزليًا، يخاطب به الله سبحانه وتعالى مختلف طبقات البشرية المصطفّة خلف العصور ويرشدهم جميعًا، فلابد أنه يدرج معاني عدة لتلائم مختلف الأفهام" (4) ، ذلك ما حاول بديع الزمان استحضاره حين صياغة رسائل النور.
(1) - الكلمات 692
(2) - الكلمات 272
(3) - الكلمات 449
(4) - انظر الكلمات 456، 482، 530، 531