فهرس الكتاب
وزيادة إلى ما سلف، فإنّ المقاصد في كلّياتها وجزئياتها إجابة عن أسئلة متكررة، تمثّل الأولى (الكلية) تحديدا لمقاصد أصلية تمثّل الأسس النظرية للحياة الإنسانية، وتمثّل الثانية (الجزئية) بيّنات وتفاصيل تشعّب تلك المقاصد وتجلياتها في الحياة المادية والمعنوية، حتى أنّك تجد الإجابة من غير تطويل مملّ أو تقصير مخلّ، فيكتفى أحيانا بقدر بيان نتيجة حيث تبيّنها رسائل النور بحجج وبراهين (1) ، وقد استقى بديع الزمان ذلك المسلك التعليمي الهادف-الإجابة عن الأسئلة المتكررة- من القرآن الكريم الكفيل بالإجابة عن أسئلة الحياة، وأسئلة الحكمة (الفلسفة) من الكائنات: من أين؟ وبأمر مَن تأتون؟ مَن سلطانكم ودليلكم وخطيبكم؟ ما تصنعون؟ وإلى أين تصيرون؟ ولهذا فذِكرُ الكائنات في القرآن الكريم - مما سوى المقاصد - إنما هو ذكر استطرادي لبيان طريق الاستدلال على الصانع الجليل بانتظام الصنعة. نعم! الانتظام يشاهد، بل يُظهر نفسه بكل وضوح. فالصنعة المنتظمة تشهد على وجود الصانع وعلى قصده وإرادته شهادة صادقة قاطعة، إذ تتراءى في كلّ جهة من جهات الكون وتتلألأ من كل جانب.. وتعرض جمال الخلق إلى أنظار الحكمة، حتى لكأنّ كل مصنوع لسان يسبّح بحكمة صانعه، كلّ نوع يشهد مشيرًا بإصبعه إلى حكمة الصانع. (2)
وحقق هدف الإجابة بأسلوب غناء الكلام وثروته ووسعته، فعبّر عن أصل الكلام المفيد أصل المقصد، كذلك كيفياته وهيئاته ومستتبعاته تشير وترمز وتلوح إلى لوازم الغرض وتوابعه وفروعه، فكأنّما تتراءى طبقة بعد طبقة ومقاما خلف مقام.
(1) - الشعاعات 279
(2) - انظر الكلمات 690، المكتوبات 278، صيقل الإسلام29.