الصفحة 2146 من 3036

وتقرر الحقيقة نفسها في كثير من المواضع في رسائل النور، منها قول النورسي:"إنّ الذي يجعل النتيجة الواحدة تولّد نتائج متعاقبة هو:جمع الأصول المتعددة وذكرها، لأنّ لكلّ أصل من الأصول، وإن لم يكن له ارتباط بالذات وقصدٌ بالنتيجة الرفيعة، ففي الأقل يهزّها ويكشفها إلى حدّ ما. فكأنّ الكلام يشير بتباين الأصول - التي هي مظاهر ومرايا متعددة للمقاصد - وبوحدة النتيجة والمتجلّى، إلى تجرّد المقصد وسموّه" (1)

ويشهد لهذا المعنى تصريحه الذي لا يقبل التأويل، وخاصة في قوله:"ثم إنّ مما يحوِّج إلى التمثيل عمق المعنى ودقته ليتظاهر بالتمثيل، أو تفرّق المقصد وانتشاره ليرتبط به، ومن الأول متشابهات القرآن الكريم، إذ هي عند أهل التحقيق نوع من التمثيلات العالية وأساليب لحقائق محضة ومعقولات صرفة، ولأن العوام لا يتلقون الحقائق في الأغلب إلاّ بصورة متخيّلة، ولا يفهمون المعقولات الصرفة إلاّ بأساليب تمثيلية لم يكن بدّ من المتشابهات كـ (اِسْتوى عَلَى الْعَرْشِ) لتأنيس أذهانهم ومراعاة أفهامهم". (2)

والمتدبّر في كتاب الله يتأمّل مثلا في قوله تعالى: { وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ } المسوقة للتهويل المستفاد من التقليل بسر انعكاس الضد من الضد، أفلا ترى التشكيك في"إن"كيف يمد التقليل، والمسّ بدل الإصابة في"مسّت"كيف يشير إلى القلة والتروّح فقط، والمرتّقية والتحقير في جوهرِ وصيغةِ وتنوينِ"نفحةٌ"كيف تلوِّح بالقلة، والبعضية في"مِن"كيف تومئ إليها، وتبديل النكال بالـ"عذاب"كيف يرمز إليها، والشفقة المستفادة من الـ"ربّ"كيف تشير إليها، وقس؟!.. فكلٌ يمد المقصد بجهته الخاصة، وقس على هذه الآية أخواتها، وبالخاصة (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) لأن هذه الآية ذُكرت لمدح القرآن وإثبات الكمال له. (3)

(1) - صيقل الإسلام 110

(2) - إشارات الإعجاز 118

(3) - إشارات الإعجاز 45

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت