الصفحة 2165 من 3036

لم يكتف بديع الزمان بالبناء (التأسيس) بل جاوزه إلى التمحيص والنقد، فرمى إلى تحرير القلوب والعقول من المعارف المزاحمة، فيذكر محذّرا:"إنّ ما يتوهم بقصور النظر من الاستبعاد والاستغراب والحيرة والكلفة المنجرة إلى الاستنكار في إسناد كلّ شيء إلى الواجب الوجود الواحد الأحد. فتلك الاستبعاد والاستغراب والحيرة والكلفة والمعالجات تنقلب حقيقية عند عدم الإسناد إلى صاحب مرتبة الوجوب والوحدة، بل تتضاعف تلك الأمور عند إسناد الآثار إلى جانب الإمكان والكثرة والأسباب وأنفسِها، عددَ أجزاء الكائنات.. فما يتوهم في إسناد الكل إلى الواجب يتحقق في إسناد جزء واحد إلى غيره تعالى. بل الأولُ أسهل وأيسر، إذ صدور الكثير عن الواحد أقل كلفة من صدور الواحد عن الكثير المتشاكسين العُمي الذين اجتماعهم يُزيدهم عمىً، إذ النحلة لو لم تخرج من يد قدرة الواجب، لزم اشتراك ما في الأرض والسموات في وجودها!.. بل تترقى الكلفة والمعالجة في الجزء الواحد من الذرة بالنسبة إلى الوجوب إلى أمثال الجبال، ومن الشعرة إلى أمثال الحبال، لو أحيل على الأسباب.. إذ الواحد بالفعل الواحد يحصّل وضعية ومصلحة للكثير، لا يصل إلى عين تلك الوضعية والنتيجة الكثيرُ، إلاّ بفعل كثير، كالأمير بالنسبة إلى نفراته، والفوّارة إلى قطراتها، والمركز إلى نقاط دائرته.فبفعل واحدٍ تصل هذه الثلاثة إلى تحصيل وضعيةٍ للكثير، ونتيجةٍ لاتصل النفرات والقطرات والنقاط لو أحيلت عليها إلاّ بأفعال كثيرة وتكلفات عظيمة. بل الاستغراب والاستبعاد الموهومان في طرف الوجوب، ينقلبان هنا إلى محالات متسلسلة." (1)

ج- التذكير الوجداني

(1) - المثنوي العربي النوري 112

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت