الصفحة 2168 من 3036

وتأكيدا لبيان مسألة التوحيد، ينبّه بديع الزمان إلى الفرق بين مدينتي الكفّار والمؤمنين، تأسيسا لمعنى الوظيفة المعرفية والمنهجية للإيمان بالله، فيذكر تلك المعاني في صيغة تربوية تعليمية، يشهد لها مطلع التوجيه، حيث قال رحمه الله:"اعلم! أنّ الفرق بين مدنية الكافرين ومدنية المؤمنين، أنّ الأولى: وحشةٌ مستحالة ظاهرها مزيّن، باطنها مشوّه، صورتها مأنوسة، سيرتها موحشة.. ومدنية المؤمنين باطنها أعلى من ظاهرها، معناها أتمّ من صورتها، في جوفها أنسية وتحبب وتعاون. والسر: أن المؤمن بسر الإيمان والتوحيد يرى أخوةً بين كل الكائنات، وأنسية وتحببا بين أجزائها، لاسيما بين الآدميين ولاسيما بين المؤمنين. ويرى أخوةً في الأصل والمبدأ والماضي، وتلاقيًا في المنتهى، والنتيجة في المستقبل. وأما الكافر فبحكم الكفر له أجنبية ومفارقة بل نوعُ عداوةٍ مع كل شيء لا نفع له فيه، حتى مع أخيه، إذ لا يرى الأخوة إلاّ نقطة اتصال بين افتراق أزلي ممتد، وفراق أبدي سرمد، إلاّ أنه بنوع حميةٍ ملّية أو غيرة جنسية تشتد تلك الأخوة في زمان قليل، مع أنّ ذلك الكافر لا يحب في محبة أخيه، إلاّ نفس نفسه.وأما ما يُرى في مدنية الكفار من المحاسن الإنسانية والمعالي الروحية، فمن ترشحات مدنية الإسلام، وانعكاسات إرشادات القرآن وصيحاته، ومن بقايا لمعات الأديان السماوية." (1)

و - المسعى الهادف وتجاوز العبثية:

(1) - المثنوي العربي النوري 181

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت