الصفحة 2169 من 3036

لم يكتف في سياق بيان أهمية التوحيد منهجيا ومعرفيا بالبيان المجرّد، بل جاوزه بضرب الأمثلة الواقعية المشاهدة، تؤكّد تلك المعاني المسعى الهادف واستبعاد العبثية، يقرر هذه الحقيقة قوله:"فإن شئت تحقيقه فانظر إلى هذه الموازنة وهي:أن الموجودات إما فاعلها جانبُ الإمكان والكثرة وإما جانبُ الوجوب والوحدة.فما يُتوهم بقصور النظر من الكلفة والاستبعاد، والاستغراب في إسناد كل شيء إلى الواجب الوجود، تصير محققة عند الإسناد إلى الكثرة، لقصور أي سبب كان، وضعفه عن تحمل أي مسبَّب كان، في جانب الكثرة دون الوحدة.فما يُتوهمُ هناك، متحقق هنا، ثم بعد هذا تتضاعف الكلفة والاستبعاد والاستغراب عدد أجزاء الكائنات مع أنّها في الإسناد الأول كانت واحدة موهومة وصارت هنا حقيقة متضاعفة عدد أجزاء الكائنات، إذ في الإسناد إليه تعالى نسبةُ كثيرٍ غير محدود إلى واحدٍ مباين الماهية لها، وفي جانب الكثرة نسبةُ واحدٍ إلى كثير غير محدود متماثلة الماهية، إذ النحلة مثلًا، لو لم تُسند إلى الواجب الواحد، لزِمَ اشتراك السماوات والأرض في إيجادها لعلاقتها بأركان العالم.مع أنّ صدور الكثير عن الواحد أسهلُ بمراتب من صدور الواحد عن الكثيرين المتشاكسين الصُم العمي الذين لا يزيد اختلاطُهم إلاّ أعميتَهم وأصميتهم. ثم مع ذلك إنّ الكلفة لو كانت في الإسناد الأول مثل ذرة، تترقى في الإسناد الثاني إلى أمثال الجبال، إذ الواحد بالفعل الواحد يحصل وضعية ونتيجة للكثير، لا يتيسر للكثير لو أحيلت عليهم أن يحصلوا تلك الوضعية، أو يصلوا إلى تلك النتيجة إلاّ بأفعال كثيرة وتكّلفات عظيمة، كالأمير مع نفراته، والفوارة مع قطراتها، والمركز مع نقاط دائرته." (1)

النقطة الثانية: أهمية التوحيد اجتماعيا

(1) - المثنوي العربي النوري 184

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت